saribe

Saturday, May 20, 2006

saribe-سريب




سـريب

رواية : أحمد الفيتورى












· سريب
· رواية
· أحمد الفيتوري - كاتب من ليبيا
· الطبعة الأولى 2000 - م .
· كمية الطبع :
· أعمال الصف والتوضيب الفنى والغلاف لـ أحمد الفيتوري .
· الناشر : دار
· جميع حقوق الطبع والاقتباس والترجمة محفوظة
· رقم الإيداع المحلي :
· رقم الإيداع الدولي :









الإهداء

إلى
جدتى الزائرة بريبش
و
إلى من راودته جدة الحكي فكان رائد القصة الليبية
إلى وهبـي الـبوري القاص .











سيرة ذاتية

ما استطاع أن يكون ،
ذلك الذي كان .
لأن الذي كان ، ميت .

- أ كتافيو باث -



تتكئ جدتي عند الضحى قرب باب البيت ، تطلق خيط الكلام ، مع أي أحد ولا أحد . وقتذاك أطلق خيط الطائرة الورقية ،التى تنساب فى الهواء كما كلام جدتي ، لم يكن لكلينا هدف ، أو بالأحرى هدف مشروط بذاته ، حرية تبتكر نفسها . لم أكن ولا جدتي مشغولة بالدلالة قدر شغلنا بالفعل ، كلانا يلعب ؛ كأن الطفولة فى والشيخوخة عندها غفلة الزمن ، فما يعنى عندها الجذوة يعنى عند كلينا الرمق . كلانا يحتفي بالكانون وشهر ديسمبر يبدو أنه اله الزمهرير الذى يخيف الطفولة ويرعب الشيخوخة ، لهذا فإن الكانون الرقية وإن الفراش المشترك تعويذة قسمة العمر الجميل بحيث أنى أظن و جدتي فى بداية الزمان ؛ زمن الطفولة دائري أو كما هى دون أدراك ترسم بالمعول دوائر النار أطلق فى الهواء دوائر الماء . والغريب أن سريرنا يبدو دون حواف لهذا فهو كالرحم ، يحضن جسدينا ونحضن بدورنا الفراش ، و لأنه فراش وحيد فإني أجد الفراش يتآخى مع الغرفة الوحيدة فى البيت ؛ هذا البيت الوحيد في " العلوة " ربوة الزريريعية مرتعي وجدتي . لم أشعر بالوحدة وإن كنت الطفل الوحيد في هذا البيت ولا هي تشعر بذلك ؛ الوحدة تنبع من الفراغ وقد عشت معها دون أي إحساس بذلك ؛ بين المدرسة ، اللعب ومشاغل جدتي لم يكن ثمة مكان للفراغ الذى أحيانا أباغته يحاول التسلل من حولي ، فأخرج له لساني جاعلا منه لعبة أتسلى بها ؛ أرسم له كلمات وأشكالا غريبة ثم أطلقها فى وجهه فيولى الفرار . كم هو رعديد ، حتى أنه فى لحظات خوفي – الذى كثيرا ما يتسرب من شقوق البيت وفجواته ، الفراغ يحاول أن يدخلني تحت عباءة الخوف لكن ردائها سرعان ما يؤوينى . كثيرا ما ألاحظ أن الخوف يخافها وأن الفراغ لا يقبلها ؛ تتدثر الليلة الظلماء برداء أسود حفيفه زمهرير ، فأدخل في سواد رداء جدتي لحاف نهارها وغطاء ليلها الذى تكون رائحته الطيبة - وإن كنت فى عراك مع النوم - منوما سريع المفعول لكن صوتها يغلب حفيف رداء الليلة الظلماء وردائها المنوم ؛ كان يا ما كان : كان هناك رجل قد تزوج سبع نساء .. كن جميعهن قد حملن منه ذات يوم أحضر الزوج سبع تفاحات ست من نسائه أكلن تفاحاتهن ، أما السابعة فقد أكلت نصفا ، وتركت نصفا . قالت : سوف آكل النصف الآخر فيما بعد . حينما طرق بابها أحذ الشحاذين ، لم تجد ما تعطيه ، فأعطته ذلك النصف من التفاحة ، وعندما آن أوان المخاض ، أنجبت ست من نساء الزوج ستة أطفال ، أما تلك المرأة السابعة .. فقد رزقت بنصف طفل . احتار الناس ، قالوا ماذا نسميه ؟ فاتفقوا على أن يسموه ( نص انصيص ) .
كبر أولئك الأطفال ، فابتاع والدهم لكل واحد منهم حصانا، أما نصف الآدمي ذاك .. فقد احتقره ، لم يعامله أسوة بأخوته . ذات صباح ، ذهب الأطفال على صهوات جيادهم ، إلى مكان ما . فرجع نص انصيص إلى أمه باكيا شاكيا ، حينما سألته عما يبكيه ؟ قال لها : لقد ابتاع أبى لأخوتي خيلا .. أما أنا .. فقد احتقرني .
قالت له أمه : اذهب إلى حظيرة أخوالك ، خذ منها كبشا ، اربط الكبش بحبل ، اجعل الحبل بمثابة لجام ، ثم امتط صهوة الكبش ، والحق بهم ، أى بهؤلإ .. ذهب بونفيص ، ففعل مثل ما نصحته أمه : أخذ كبشا ، ربط الكبش بحبل ( بمثابة لجام ) ، ثم امتطى ( صهوته ) ، وذهب فى أثر اخوته ، وهو يغنى :
هيا .. فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم ..تجاوزهم ، هيا فلتركض أيها الكبش ! .
استمر يعدو فوق صهوة الكبش ، حتى لحق بأخوته ، فصاحوا جميعا :
- ها هو ذا بو نفيص قد وصل .
واصل جميع الأخوة مسيرهم ، بما فيهم بونفيص ، استمروا يسيرون عبر البراري ، حتى صادفوا نخلة مثقلة عراجينها بالرطب ، علا هرجهم ومرجهم ، ثم قالوا :
- من منا يستطيع أن يتسلق النخلة ، فيزودنا بالرطب ؟ .
فقال لهم بونفيص : أنا الذى سوف أتسلق ! .
ساعد الأخوة بونفيص على الإمساك بجذع النخلة ، فوصل بسرعة إلى قمتها ، وأخذ يزدرد الرطب الجني الجيد ، أما الرديء فكان يلقى به إلى الأرض ، ليأكله هؤلاء الكسالى .
أكل هؤلاء الأخوة الكسالى الكثير ، حتى انتفخت بطونهم ، ثم انصرفوا ، ولوا الأدبار لبونفيص ، رافضين أن يساعدوا أخاهم على النزول من على النخلة .
أطبق الأمر على بونفيص ، فخذله حسه وتفكيره ، إذ أنى له أن يهبط ، حينذاك ، تكلم الكبش فقال : ابصق على فإن وقع بصاقك على ظهري اقفز من على النخلة ، فإنك لا محالة واقع على ظهري . بصق بونفيص ، ثم قفز فجاء على ظهر الكبش ، وعمل هكذا ، فامتطى صهوة الكبش ، مرددا أغنيته القديمة :
هيا فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم .. بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم .. تجاوزهم ، هيا فلتركض أيها الكبش .
استمر يركض ويغنى ، حتى لحق بأخوته ، فوجدهم على حافة بئر .. اكتشف أنهم أرادوا أن يحصلوا على الماء من البئر فلم يستطيعوا ، وحينما رأوه ، صاحوا :
- ها هو ذا بونفيص ، قد جاء لكي يسقينا بعض الماء من قاع البئر . أنزل الأخوة بونفيص إلى جوف البئر ، فأخذ نصف الآدمي يشرب الماء الزلال ، ويمدهم بالماء المتسخ الآسن . فهم الاخوة صنيع بونفيص ، فنهضوا وقالوا :
- هيا ، دعونا نتركه فى قاع البئر ما دام قد أساء الأدب ، امتطوا صهوات جيادهم ، رفضوا أن ينقذوا أخاهم من قاع البئر .. تكلم الكبش مرة أخرى وقال مخاطبا بونفيص :
- أنا الذى سأنقذك .
مد الكبش إلى بونفيص حبلا ، ثم جذبه بعد أن تعلق به بونفيص ، فنجا من قاع البئر ، امتطى ظهر الكبش وهو نشوان ، يترنم بأغنيته المفضلة :
هيا فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم .. تجاوزهم ، هيا .. فلتركض أيها الكبش .
ركض الكبش ، وهو يحمل على ظهره بونفيص ، حتى أدرك هؤلاء الأخوة . جدهم يسيرون ، فسار معهم . وبينما هم يسيرون جميعا صادفتهم ( غولة ) ، فرحت الغولة بهؤلاء الأخوة كثيرا ، وقالت : - أنا .. بمثابة خالتكم .
كانت الغولة هى الأخرى لها سبع بنات . حينما التقت بهؤلاء الآدميين دعتهم إلى وليمة فى بيتها ، فجهزت لهم وجبة العشاء ، ثم سألت كل واحد عن العلف الذى يطعمه لحصانه فقالوا لها : - الشعير .
ثم قالت : - وأنت يا بونفيص ، ماذا تطعم كبشك ؟
فأجاب بونفيص بأنه ( الفول ) .
أعطتهم شعيرا ، وأعطت بونفيص فولا . بعدئذ أعدت لهم الفراش ، لكي يناموا بعد أن فكرت فى تمييزهم عن بناتها ، غطت بناتها بعباءة بيضاء ، بينما غطتهم بعباءة حمراء .. كان ذلك لكي تأكلهم. وكانت الغولة تغلى لهم بعض القطران ، بينما بونفيص لا يزال مستيقظا ، لم ينم لأنه كان يتسلى بالفول ، وحينما تسأله الغولة :
- أنت يا بونفيص ، يا ابن خالتي لماذا لم تنم بعد ؟
يجيبها بونفيص :
- إنها البراغيث ، البراغيث كثيرة فى دارك يا خالتي ! .
بينما هو فى الحقيقة يتجسس على حركاتها ، ثم إنه غافلها من حيث لا تدرى ونهض فأبدل تلك الأغطية : العباءة الحمراء غطى بها بنات الغولة ، والعباءة البيضاء غطى بها أخوته ، ثم تظاهر أخيرا بأنه استغرق فى النوم .
حينما ذهبت الغولة لكي تأتى بالقطران ، نهض بونفيص وكلم أخوته قال لهم :
- انهضوا إن الغولة سوف تقتلكم .
خمد الأخوة قليلا ، انتظروها حتى أحضرت القطران ، وصبته على بناتها ، بعدئذ نهضوا ولاذوا بالفرار . ماتت جميع بنات الغولة ، لم يبق منهن سوى واحدة اسمها " عائشة " ، قالت الغولة :
- آه .. يا أبناء الكلب ! لقد فعلتموها إذن ؟ .
ثم أسرعت تجرى ، تقتفى أثرهم ، وهى تدعو ساخطة فى ما يشبه الغناء :
- يا حليب كب كب واجمد فى الركب ..
استمرت خلفهم تجرى وتنشد خلفهم ، وهى تقتفى أثرهم ، حتى لحقت بهم فأكلتهم ؛ لم يبقى منهم سوى بونفيص . عندما همت الغولة أن تفترس بونفيص قال لها :
- لا تأكلينى يا خالتي ، دعيني أفكر لك فى الأمور ، إنني عبارة عن بونفيص ، أى نصف آدمي ، ولا يوجد فى لحمى وأعصابي ما يشبع لك نهمك ، ما الذى ستجدينه فى جسدي حتى تأكلينى ؟ ، وتابع بونفيص كلامه :
- ضعيني فى قفيز ، وأعلفينى الأكل الجيد : لحم الغزلان ، أفخاذ الخرفان .. الخ ، حتى أصبح سمينا ، مكتنزا ، ثم اكسري القفيز وكليني .
راقت للغولة فكرة بونفيص كثيرا ، أعجبت بها أيما إعجاب ، فما أن سمعت ذلك حتى أخذته ووضعته فى قفيز ، حملته فوق ظهرها ومشت . لكن الغولة أرهقها الحمل ، عندما وصلت إلى منتصف الطريق المؤدى إلى بيتها ، أرادت أن ترتاح فوضعت القفيز جانبا ، ومن حيث لا تدرى الغولة اختار بونفيص حجرا وضعه فى القفيز ثم لاذ بالفرار .
كانت الغولة لا تزال تظن أن فريستها فى باطن ذلك القفيز ، ثم أخذت تكلمه بشماتة :
- لقد حصلت عليك يا ابن الكلبة .
كررت الغولة شماتتها وسخريتها ، لم تسمع صوت بونفيص ، ثم عادت فشتمت أبناء آدم أجمعين ، وانتظرت ردا فلم يجبها إلا الصدى ، حينئذ سألت بونفيص :
- أتراك نمت يا بونفيص ؟ .
للمرة الأخيرة لم يصلها أى رد على سؤالها ، اضطرت الغولة أن تنزل ذلك القفيز من على ظهرها لكن لدهشتها لم تجد فيه سوى ذلك الحجر ! ، ولم تجد بونفيص . قالت الغولة وقد جن جنونها :
- لقد فعلها ابن سبع كلبات ..
ركضت الغولة تبحث عن بونفيص وهى تدمدم : يا حليب الثديين .. فلتجمد فى الركبتين ..
أدركت الغولة بونفيص ، فقبضت عليه وحملته معها إلى البيت .
حينما وصلت الغولة إلى بيتها قالت لعائشة ابنتها :
- ها أنا ذا حصلت عليه ابن السبعة ..
ثم أخذته ووضعته فى قفيز ، وبدأت تؤكله لحم الغزلان وأفخاذ الخرفان ، حتى اكتنز لحما وشحما . وذات يوم بادر خاطب الغولة ، قائلا :
- ها أنا ذا قد أصبحت سمينا مكتنزا .
كسرت الغولة ذلك القفيز ، فخرج بونفيص وقال :
- الآن أريد أن أسألك : لماذا تريدين أن تأكلينى وحدك ؟ اذهبي ، ونادى اخوتك وخالاتك ، لكي يأكلننى معك . فقالت الغولة :
- دعني أذبحك ، قبل أن يأتى بنو جلدتي .
استدركها بونفيص قائلا : - لا .. لماذا تقلقين نفسك هكذا ؟ ها هى عائشة ابنتك سوف أشحذ لها حد السكين ، فأجعله حادا ، وسأعطيه لها كي تذبحني ، وحينما ترجعين ، أنت واخوتك وخالاتك سوف أكون لحما ناضجا فوق الكسكسى .
قالت الغولة : باهى . ثم ذهبت لكي تنادى أخواتها وخالاتها فيما أخذ بونفيص يشحذ حد السكين ، وقال لعائشة بنت الغولة :
- دعيني أجرب السكين فى عقدك ، لكي يتسنى لك أن تذبحيني بشكل جيد .
مدت عائشة إليه العقد ، فيما أمضى بونفيص السكين فى عنقها فذبحها ، ثم قام بطبخ وليمة ، فأعد بلحمها وجبة الكسكسى ، وفى النهاية ، تنكر فى لباس عائشة ، متظاهرا بأنه ابنة الغولة ، وأخذ بونفيص ينتظر الغولة وخالاتها وأخواتها .
وصلت الغولات ، وهن يملأن الدنيا ضجيجا ، ما أن أبصرن المائدة حتى تهافتن عليها ، وعلى ذلك اللحم يزدردنه ، كأنهن لم يذقن فى حياتهن لحما من قبل ، حتى أوشكن أن يبتلعن العظام أيضا . لكن الغولة الأم كانت تأكل وتقول :
- هذا حساء ، كأنه حساء عائشة ابنتي .
فى حين كان بونفيص ، يتأوه ويتظاهر بالبكاء : ايهئ ، ايهئ ، ايهئ ايهئ ..
فتقول له الغولة ، كأنها تخاطب ابنتها :
- كفى ، كفى بكاء يا عائشة .
استمر الأمر كذلك ، حتى أتت الغولات على ذلك الطعام ، فنهض بونفيص خارجا ، وصعد إلى قصبة مبنية بالزجاج ، نزع عنه ملابس الغولة ، وأنشد يصيح :
- ملابس من هذه ؟ .. ملابس عائشة العوراء !
سمعته الغولة ، فخرجت لتجده فى قمة القصبة يلوح بيده ملابس عائشة ، صاحت به الغولة :
- عملتها فى يا ابن الكلبة مرة أخرى ؟ ، كيف لى الوصول إليك ؟ ..
قال بونفيص من على قمة القصبة :
- أتريدين أن أدبر عليك ياخالتى ؟
قالت الغولة : - دبر .
قال بونفيص : - اذهبي أنت وأخواتك وخالاتك ، اجلبن حطبا ، ضعن الحطب تحت القصبة ، ثم أشعلن النار فى الحطب .
ذهبت الغولات ، وفعلن مثلما قال لهن بونفيص ، لكن حينما هممن أن يشعلن النار فى القصبة قال لهن بونفيص : - أمسكن فى أسفل القصبة جيدا ، وعندئذ لا محالة إني هابط إليكن .
ما أن مسسن القصبة حتى ماتت خالات الغولة وأخواتها ، لم تبق سوى الغولة ؛ أم عيشة ، النار تشتعل فيها وهى لم تمت بعد ، حينئذ صاح بها بونفيص من على قمة القصبة :
- شدي إليك بطرف هذا الحبل ، فسوف أرفعك عاليا إلى قمة هذه القصبة .
مد إليها الحبل ، فتعلقت بطرفه لكن سرعان ما يردها إلى أسفل ليصليها جحيم النار . وبينما هو يكرر ذلك ، كانت هى الأخرى تغنى من فرط الرعب :
ارفعني عاليا
أو اخفضنى إلى أسفل ..
إن حوصلتي .. لا محالة ستحترق .
تكررت العملية على هذا المنوال حتى أصبحت الغولة شيئا مشويا ، انكمشت كأنها جرادة . وأطلق بونفيص الحبل لكي تسقط الغولة فى الجمر ، فأصبحت رمادا . بقى بونفيص فى قمة القصبة حتى خمدت النيران وانطفاء الجمر ، عندئذ نزل بونفيص من على قمة القصبة وعاد إلى أهله . حقا .. لقد كان نصف آدمي لــــكـ نه …
… ساعتها لم أعد فى حضن صوتها ، أما كان يا ما كان فقد أخذني عنها سلطان لم أستطع مقاومته مرة ؛ لهذا فإن جدتي تتحول إلى " نص نصيص " فلا أذكر لها كلمة فى حفيف تلك الليالي إلا وهى نصف كلمة فأغمغم : جد .. ولا أكمل شيئا ؛ يصير وجهها أيضا نصف وجه
فى تلك الليالي وفى النهارات ، ثم فى الذاكرة المثقوبة ، إني كالغربال الأعمى لا أحتفظ إلا بالكبيرة ، كما أنى صغير كما كانت كل الأشياء .
خرج الغول" السخط " السائح فى مخيلتي الجبانة طول النهار ، من تحت السرير الذى لم يكن سريرا فهو ليس إلا لوح على مسند من الحجارة ، وأخذ السخط يسوح فى الدار الوحيدة فى البيت الذى يتوسط مقبرتين ؛ مقبرة المسلمين - مقبرتنا كما تقول جدتي - فى الجنوب وفى الشمال مقبرة اليهود التى هى حديقة من الفواكه : التين والتين الشوكى والعنب والرمان ؛ ما كنت فى أحيان أحاول سرقته لأدخل الجنة ، وما فى مقبرتنا إلا الحجر والشوك وإني سعيد بذلك لأنه كما تقول - أيضا - حديقتنا فى السماء .سمعت سخطه لما شاهدت جثثه ؛ له رجلان رجل فى السقف ورجل فى المدى ؛ حيث يختفى البابور " الباخرة " فى البحر ، له عين واحدة ، نصف أنف ، نصف كهف هو الفم الذى فيه سن واحدة أكبر من قنطرة سقف الحجرة الوحيدة مثلى فى تلك اللحظات ، أخذ السخط يجوس الغرفة التى أخذها دوار فبدأت كسفينة نوح أو كخالي حين يرجع إلى البيت سكرانا فى بدلة البوليس من " قرنادة " فى إجازته الموسمية ، ثم أخذت السخط قهقهة شهر ديسمبر وميزاب الدار ، فى لحظة اشتعال الدار بنار سماء ديسمبر هرول الغول منسحبا وهو يقرقع كما صوت سريرنا وغطيط جدتي : أفق الشمس فى وسط الدار أيها الكسلان . أفاقت مع الفجر تتنصت للمؤذن البعيد ، أيقظت الكانون ووضعت إبريق الشاى وبجانبه فردة خبز التنور زوادة المدرسة ، أخرجت حقيبة الكتب المدرسية التى خاطتها لى من ردائها القديم . فيما السماء لم تكف عن ذرف دموعها بل زادت عن ليلة البارحة ، بدأ لى أن الزمهرير رفيق رحلة كل يوم إلى مدرستي التى أحبها جدا لأن مدرس فصلنا أولى أول ؛ يحكى لنا كل يوم حكاية قال مدرسنا الأستاذ السحاتى : كان هناك تاجر أمين ، يتاجر بمال الناس الآخرين مع البلاد البعيدة، ومرة وضع كل ما يملك وما أخذه من الآخرين في تجارة تأتى عبر البحار ، ولكن السفن غرقت هكذا قيل له ، كان أخذ مالا وعدده عليه يهودي – أبن عم للذين ينامون في الجبانة البحرية لبيتنا، كان شرط هذا اليهودي أن يرجع له المال أو كيلو من لحمه من لحم التاجر . وأنا أحكي لجدتي حكايا مدرسي قالت : يهودي ماذا تريد من الله أن يزيده ، ودائما التعليق يجعلني أخرج مسرعا إلى أمام باب البيت لألعب فتنهض خلفي تطالبني أن أكمل الحكاية .. لم يحدث أن أكملت حكاية كما تريد ، لكن بالنسبة لى الحكاية تكتمل حيث أتوقف لذلك لم أستغرب فى مرة إلحاحها ولا فى مرة تابعت حكاياتها إلى أن تنهى الكلام ، فخيط الكلام طويل مثل خيط الحكومة ؛ قالت ذلك ذات مرة وهى تغزل كلامها على مغزل التمهل ومغالبة الزمن بالتؤدة ، المخادعة ، والألغاز التى كثيرا ما وقعت فى شباكها حيث أحتار فى الحل وهى تطلب بلادا لكي تمنحني الحل فأرفض أن أعطيها بلادا ؛ العناد ديدنى منذ عرفت نفسي فى مرآة الآخرين و الغدران والسباخ المحيطة بالبيت من كل مكان ، وفى مرآة جدتي المتغضنة مثل وجهها والتى تدسها فى صندوقها الذى يحب النوم تحت السرير كالأطفال الخوافين . هذا الصندوق الذى كم أحبه وكم أغار منه لأنه يحصل على اهتمامها فيقاسمني جدتي ، لكنى اغفر له ذلك خاصة عندما تفتحه ، فيصدر قفله لما يلجه المفتاح رنينا كموسيقى سماوية أو مثل أنغام الملائكة كما تسمى ضحك الطفل الوليد . وكثيرا ما جلست إلى جانبها على ركبتي أتأمل الأشكال الجميلة المصنوعة من صفيح العلب التى تزين الصندوق ، فأخرج لساني ، أحرك ملامح وجهى الذى ينعكس فى أشكال مذهلة لا توجد حتى فى السماء السحبة التى أشاهدها وأنا مستلق على ظهري . وزينة الصندوق هذه على شكل أهلة ، شموس ، زهور ، وحدوة حصان تتوسطهم مرآة صغيرة مدورة ؛ مثل خد سعاد بنت جيراننا الذين يسكنون سفح " العلوة " من دائما أحضنها ، واقبل خدها أو أحك خدي على خدها فيصير فى لون الرمان .ولما تفتح الصندوق تدخل جدتي فى دنيا أخرى ، وتنسى وجودي بجانبها ، وكثيرا ما تتحدث مع الصندوق ، أوتغنى ، أو تبكى الأمر الذى يخيفني ويستهويني . ثم أسمع حكايات غريبة منها ؛ وكيف نزحت من جبل غريان إلى ريف بنغازى ، كيف مشت هى وأطفالها الصغار على الأرجل النهارات والليالي الطوال ، والحرب والنصارى فى كل مكان ، والجوع يقرصهم . ورغم أنى لا أدرك الكثير مما تحكى لكن صوتها المتهدج وسردها السلس يجعلاني أرى قافلة من الأطفال تقودها جدتي ، وكأنها فرس يتقدم قطيع الأغنام هذا المشهد الذى كثيرا ما رأيته لما أستيقظ مبكرا معها ونخرج أمام البيت لغرض ما ، حيث يمر هذا القطيع من الأغنام أمامه فرس ، بعد وقت يمر رجل قالت لى أنه راعى الأغنام يذهب بها لتسرح فى سيدي يونس ؛ هناك توجد الحشائش ، و توجد مقبرة فوق ربوة على مدى البصر قيل أنها قبر سيدي يونس المرابط المبارك الذى كثيرا ما توجهت اتجاه القبلة حيث قبره رافعة يدها وهى تقول : بجاهك ياسيدى يونس نجح وليدي حمد .لم أعط جدتي بلادا لكي أحل أحاجيها لكنها تعطيني حلوى لما أحل عقدة أحجية ، فالبلاد التى تريدها مقابل حل أحجية ما ؛ هى بلاد تأخذ منى جهدا وأنا ألملمها ، هذه البلاد البعيدة كثيرا ما غيرتها فى لمح بصر فصارت لا تشبه البلاد إنها عجينة رغائبى وصلصال استرسال كدي ؛ بلاد فيها النقود ورق أغلفة الحلوى ، فيها الحجارة تتكلم وتفصح عما تريد ، الكبار يلعبون والصغار يضحكون ، وفيها جدتي أميرة الحكايات ، فيها الكثير من الأشجار، الكثير من الأزهار ، والحلوى كما الرمل أو هى الرمل . هذه البلاد لن أعطيها لجدتي مقابل فك أحجية ، رغم هذا أقدح زناد الذهن ، كثيرا ما أفلح فى الحل : حزاركم يا حزاركم شنو تعشى البارح حماركم ؟.
- تعشى حلوة بر الترك .
- تركوكم تراكين لبزو عيونكم بالطين .. هكذا ينساب الحزار ، هكذا أحزر ، فالحلوى هى الجائزة أو قنان التنور . ثم ألهو عنها بكتابة الواجب المدرسي ، أو ألعاب بلا حدود التى أصنعها فى اللحظة ، و تلهو عنى بإعداد الطعام ، أو رتق ملابسي ، أو بصندوق حوائجها ؛ أجدني فى الصندوق ، أو ادخل الخيط فى الإبرة فى كل مرة تضع خيطا جديدا للإبرة ، أو تسألني عن خربشة الدجاج التى أقوم بها على الورق ؛ ترى الأحرف التى اكتب كائنات حية ؛ فحرف دجاجة ، حرف يمامة ، حرف عجل ، حرف خروف ، حرف ثعبان ، فكلمة سحابة وكلمة حرباء . وفى ألعابي أجدها توثق مقلاعي ، تهندم كراكوزى ، تشاركني كتابة الشيشبانى ، نص الليلة الذى نؤلفه معا، أعرضه ومشاهدي الوحيد جدتي التى لم تكن يوما تكبرني - رغم أنى ساعة أخاف اهرع لحضنها - ولا أنا أصغرها ؛ فكثيرا ما نامت على رجلي ساعة أمثل دور من يفلى شعرها ويأخذها سلطان منى ؛ سلطان النوم الخبيث الذى يظهر ساعتها لسانه لى ثم ينظر لى بعين المنتصر . لا أفلح فى إيقاظها ، واستردادها من هذا السلطان الخبيث الذى يأخذني أنا أيضا فلا أعرف من ينام فى حضن من ، من هي ومن أنا .
ما يحيرني هو المكان الذى تذهب إليه جدتي ساعة تنام ، مرة قالت لى : أنها تذهب إلى الموت وتعود ، وأنها قد تذهب ولا تعود ، لهذا منعتها من أن تنام وأكون مستيقظا . لما تريدني معها ، وخاصة فى الليلة الغضبة التى تكشر عن أنيابها ؛ الليلة الزمهرير ، تخيفني من أن يسرقني النوم ، ولا أعود إليها فأكون في المكان البعيد وحيدا ، ولشد ما منعني هذا من النوم . لكن حقا أين يذهب النائم ؟ ، لست ملحاحا لكنى صاحب سؤال ، هل حبي لجدتي لن يدعها تذهب فى ذلك المكان الذى لا عودة منه ؟ ، هل ذلك المكان بعيد ؟ ، هل حقا هناك مكان مشترك يجتمع فيه النيام ، وبالتالي يلتقي فيه أولئك الذين يذهبون ولا يعودون ؟ ، لكن حقا لماذا لا يريدون العودة ؟ ، هل يشبه ذلك المكان بيتنا العاري من كل شئ ما عدا الرمل والنمل ؟! ، لماذا علينا ان نذهب ولا نعود ؟ . لم تجبنى على أي سؤال من أسئلتي ، بل إنها تطلب منى أن أدعها تستريح ، وأن اذهب للعب بذا أفهمتنى أن كل شئ لعب فى لعب ، فلكي أكون إنسانا على أن العب ، والعب لأنني إنسان . ما من مرة وجدتني بعيدا عنها حتى لو كنت مندمجا فى لعبي هى مرتع مخيلتي ، خاصة ردائها الذى استهلكه الزمن ؛ هذا الرداء المخطط مثل حمار الوحش كما أراه ساعة تحملني على ظهرها ، أو تحمل الأيام على ظهرها كما تقول ، في هذا شد ما يضايقني صندلى البلاستيكي لأنه يسقط من رجلي ؛ هو عندى أعز من أن تحملني على ظهرها ، إني أقضي وقتي فى الاعتناء به وتنظيفه من الرمل ؛ أرضية الحوش من تراب وعراكي دائم مع هذا التراب ، وأنا ألعب به ، يتسخ الصندل أو ملابسي ، نكاية بى يعمل على الالتصاق بالملابس ، والصندل أيضا ، وقد شكوته مرارا إلى جدتي التى تأخذ مكنستها ثم تبدأ فى مطاردته لتخرجه من الحوش ، لكنه كمراوغ أصيل سرعان ما يفلت منها فهو حصيرة الدار وغطاء الوسعاية التى تمتد أمام الحوش إلى المدرسة ، لم تقدر عليه وإن قدر أبى الذى جعل أرضية بيتهم من الأسمنت الصلد . هكذا بدأ لى أنى وجدتي نحب المعارك اليومية مع أشياء الحوش ، وفى ما بيننا ؛ حيث كثيرا ما وجدتها فى عراك ومحاورة ساخنة مع الكانون الذى ابتل بالمطر مثل طفل صغير تبول على نفسه ، هذا الكانون الذى لا يريد أن تشتعل ناره ، أما السفرة سفرة الشاي وسخانه، فيحلو لها اتهامي بأني سبب أي مشكلة بينها وبينهما لهذا تغنى جذلة أو غاضبة : يا حميدة كنك شيطان قلبت السفرة عالسخان .
والحق انى لست شيطانا بالمرة ؛ فإنى طفل وديع هكذا يقول الجميع غير جدتي ، بل كثيرا ما نعتني أبى بالذلذول الذى لا يحب اللعب الا بالورق كالبنيات ،كثيرا ما صفعني على ذلك بمناسبة وبدونها ، لم يغضني بصفعاته وإن يبكيني وأشتعل فى انزوائي ؛ تأخذني عزة فأصير تاجرا كبيرا يملك أكثر مما يملك أبى فى متجره ؛ خبازا يصنع من الرمال خبزا لكل الناس من لديه نقود ومن لا تعرفه النقود ؛ لكي يبور خبز مخبز أبى ، وفى مرة أصير الضابط الذى يعلق أبى صورته فى المربوعة ؛ المضيفة ويسميه ناصر ؛ لكي يعتز أبى بى ويخافني . مرة ألفت مع الصغار الذين يسكنون بعيدا ليلة كراكوزية ضده ، بهذا أشدهم الى ، وبالكرة البلاستيكية التى جلبها لى خالي ؛ آنذاك لا أحد منهم يعرف البلاستيك ، بالكرة ملكت الفريق ولا ألعب معه فالأمر برمته سرعان ما أنساه . ليس لدى وقت إني مشغول بجدتي التى تريد حطبا للتنور وقشا لنار تسخين الماء ، فحما للكانون لتدفئ الدار وتطبخ الشاي ، تريد الرمل لتنظف المواعين وعدة الشاى ، تريد لهذا كله الماء وأنا وراده وما أجلبه للغسيل ، أما ماء الشرب فأجمعه وجدتي فى مواعين من عيون السماء الماطرة : يا مطر ديري تبرورى طيحي حوش الفيتورى .. يا مطر صبى .. صبى طيحي حوش القبى .. يا مطر صبي صبي .. طيحي حوش الربى.. والربى ما عنده شي امفيت قطيطسه تعوي.. يا مطر يا بشباشة طيحي حوش الباشا . وبيت الباشا على بعد رمية حجر ؛ وهو بيت عال يسكنه الباشا ؛ رجل له شنبان كثان ، عبوس فيه من السخط الكثير، له عربة ( كاليس ) يجرها حصان ، و له خادم دائم التنظيف لهذا الحصان ، وكثيرا ما ضرب الباشا الخادم وضرب الحصان وشخط
فى ، قيل لى أن هذا الرجل / الباشا رجل حكومة ولم أفهم . أما الربى فجار بيت أبى ، والذي قيل مرة واحدة أذكرها أنه يهودي ؛ و ذلك بعد أن منعنا أبى من الكلام حين كنا نزورهم فى بيته أنا وجدتي ، لم يكن سكرانا على غير العادة ، و ينصت باهتمام شديد للراديو الذى منه ينبعث صوت رجل يصرخ مكررا كلامه ، وأبى يهز رأسه كلما قال الراديو : أيها الشعب ، ويصفع يدا بيد كلما قال اليهود ، ويتمتم اليهودي ذاكرا اسم جارهم الذى يتاجر على حماره الأشهب أو الشائب كما أسميته . هذا اليهودي كما عرفت من أبى فى تلك الحالة ؛ يبيع على حماره بضاعة نسوية مثل المحارم والسواك واللبان فتشترى جدتي منه ما تريد ، أحصل منه على الحلوى ، ومداعبة لحيته على خدي التى تؤلمني ؛ يسمونه الدلال ، و أبى يسميني الذلال ، لم أعرف الفرق لأنه لم يكن يعنيني ، وفى مثل هذه الحالات تأخذني سنة من خيال خصيب فيه كل ما أريد وما لا أريد . ثم إذا بجدتي تسحبني من يدى وهى غضبة - هيا ياوليدى نروح .
بين بيتنا وبيت أبى أمتار تطول فى الليلة الظلماء التى تنساب فيها مخيلتي كما ينساب بولي ، ويبدو وكأن شياطين وعفاريت الدنيا ليس لديها شغل غيري ؛ فتخرج من كل فج ، من جبانة اليهود ومقبرة المسلمين لكي تشاكسني وتخيفني . تتحول الطريق بين البيتين إلى شاشة تعرض أفلام الرعب ، ولما نندلف إلى البيت أندس بالسرير ؛ من هول ما رأيت أدخل أقانيم النوم دون أحلام و كوابيس ، ثم أفيق فى الصباح الباكر خفيفا فرحا أتلمس أطرافي سعيدا بنجاتي مرة أخرى من قبائل الليل ؛ بطون الظلام ومقاتليها الشرسين . وأذهب حتى دون إفطار الى المدرسة لاستمع لحكاية جديدة من المعلم ، لأعود مسرعا للبيت لأسرد ما تيسر من الحكاية لجدتي متباهيا فى داخلي بأني أيضا لدى زوادتى من الحكايا .
أندلف إلى البيت مسرعا ومهرولا ، منبطحا وقافزا فرائحة طعامها يجرجرني من أنفى ؛ عند الضحى توقد كانون الفحم ؛ نار هادئة تنوس فى الكانون فى رقص ناعم ، وببطء تتنقل مداعبة " البرمة " طنجرة الفخار التى تضعها جدتي بتؤدة على الكانون ، بعد أن تقلى البصلة فى قليل من القديد ، تضع " الدمعة " صلصة الطماطم والفلفل الأحمر، وشيئا من البطاطا أو الفول اليابس إن وجدا . ثم تغادر المكان تسرح فى غيره ؛ تبدد بقية الوقت ، وحين تكون عائدة من المكان أو اللامكان الذى أودعت فيه ساعة زمان أو ساعتين ، عندها طزاجة الطعام تكون قد أخذت تبعث مراسيلها فى مسارب ومسارب ، ومن مساربها أنفى ولساني الذى يلحس الهواء ، فيأكلنى الجوع مندلفا إلى البيت لما تدلق البرمة فى صحن الفخار الذى يضم ما جأه كحاضنة ، ولا أعرف هل آكل الطعام أم أنه يأكلنى ؛ فجدتي لا تطهى طعاما بل تؤلف بين طبيعة وأخرى أو أنها تحتفل ؛ اللون الأحمر والنغمة الحارة ، تنغم الكركم وتوزع الدهن وتمنطق الأخلاط ، وتلاعب بالملعقة هذا فى هذا فتطيب المذاق ، تذوب الريق وتعسل القيلولة .
- الغذا اليوم مقطع ؛ رشدة برمة .. كول يا جعان
-البرمة مليانة والكسكاس فرغان .. كول ياجعان .
لا أنام الظهيرة ، فالليل يتسرب مع ظلي يحتوى يومنا وإن جاء ، جاء النوم ، فالظلام قاهري وجدتي ، وليس من سلاح غير فتيلة تنوس فى حفرتها بجدار الدار المواجه لمدخلها، لما ينوس الفتيل تنبثق ظلال وظلال ، فى هذه الظلال يكمن الوجود ؛ فيها أول الليل أطفال و عصافير ورجال وطيور ونساء وحمام وحملان وغدران ، فى آخر الليل أشباح وغيلان ومساخيط وكل ما ( دب وهب ) . فى أول الليل يسيل اللعاب فى آخر الليل يجف اللعاب ، فى أول الليل ينساب الكلام فى آخر الليل يسيل الخيال . وما أكثر الليالي التى يجب أن نباتها جوعي ولأن بطن الجائع عدوه فإني أشتبك فى معارك طاحنة والجدران التى تدر الأشباح درا ، وتسيح المساخيط والغيلان فى الخيال سيلا ، والحق على الدار لا الخيال . كأني أقاتل الجوع بالخوف ، أو أن الخوف زوج الجوع وأنى ربيبهما . ولأن الجوع رجل فإنه يقصى الدفء ؛ الأنثى عنى ويجفل النوم ؛ الطفل البريء . وإذا فى ليلة ليس ثمة برمة أو كسكاس كيف للنوم من سبيل ، ما أكثر ما تدثرت بمثل هذه الليلة فأصبحت عاريا .ومابى مرض لتنشغل جدتي بى ، وحيد وفى الدار وحتى فى الفراش كل عدو ، والعدو لا يخون ، فكيف لى أن لا أعطيه بظهري وأتمترس بالهامة التى تسمى الشمس فآخر الليل أول النهار أوكما يقال .
النوم أخذ جدتي منى حين كنت محاصرا بين جدار الغرفة وبحر الغيلان ، لم أفاجأ مثلما فوجئت بذلك الصبح الذى تفتق بغتة ، ووجدتني أحضنه وهى تحضنني ، اجتاحتني غبطة النجاة بل غبطة المنتصر ؛ فقد ولت جيوش الليل مدحورة كما اندحرت غيلانه . لما منحتني كوب الشاى الساخن كنت ساعتها أطير مع عصافير الصبح ، خرجت إلى المدرسة فرحا باليوم الجديد . وبدأت مهامها بالمكنسة التى هى عرجون بلح أنزل من عليائه لما ثقل بالتمر لمهمة جديدة ؛ أن يكون سلاحها فى مطاردة الرمال والوقت ، لما تنتهى هذه المهمة يكون وقت غسيل أي قطعة قماش ، ثم آواني الشاى فالمطبخ ؛ فإن مهمة النظافة مهمة يومية من ضرورات الحياة وإثبات الوجود. وكثيرا ما وجدتها فى حوار ساخن مع آنية طعام أو قطعة ملبس حول ضرورة النظافة ، ولم يكن هذا الحوار يختلف عن محاورتها لى وهى تقوم بتحميمى فحتى القطة تنظف أولادها فكيف بابن آدم ؟ . حين تبدأ فى إعداد طعام الغذاء يكون الوقت أزف للخروج من البيت لزيارة جار أو لشراء حاجة ؛ فنحن أبناء للوقت يفعل بنا ما يشاء ، لما يملنا يأخذ أمانته الروح ، ويترك أجسادنا لصاحبها ؛ للتراب . حين تضرب جدتي التراب بالعرجون تبدو وكأنها تتوجع ، ويظهر عليها الخوف ، أما عندما تنظف الكنيف فإنها تتمتم بالقليل الذى تعرف من القرآن مخافة أن تدوس فرخ جن يلعب ، أو جنية تداعب وليدها أو جن يغط فى نومه ؛ فالكنيف بيت الجن ، ولا يحق اللعب فى هكذا مكان . كثيرا ما أوقدت فحم الكانون ورمت فى النار بالبخور أو الفاسوخ والجاوى ثم تبخر بيت الجن لتهدئ من روعهم وتنعش أرواحهم ، وكثيرا ما اختنقت من البخور فى الدار . ولخوفها هذا فإنها لا تزيل الحجاب المعلق برقبتي أثناء تحميمى حيطة من فرخ جن يرغب فى ملاعبتي ، لقد أرعبتها كثيرا وهى تحممنى لما أخذ فى تحريك شفتي دون أن أنبس بكلمة ويدى فى إشارات مبهمة ، ثم أهز رأسي علامة على الموافقة أو الرفض دون سبب . ولشد ما خافت لما أنفلت منها عاريا أجرى فى الدار أو الحوش وهى تطاردني تريد الإمساك بى ، وإرجاعي إلى ( الليان ) الصفيح ؛ حوض التحميم الذى يصدر أنينا ، وأنا أتحرك فيه مسرورا أو غير راغب فى التحمم ، الغريب أنها لم تكن تطلب منى أن أكف عن الحركة ، بل تطلب ذلك من ( الليان ) الذى ينصاع لأوامرها حين أكون قد توقفت عن الحركة منصتا ومنتبها لرد فعله . لما أنتهي من الحمام أكف عن اللعب والحركة وأتحول إلى تمثال ؛ أسكن ركن الدار لكي أبقى نظيفا ، تهاجمني طيور النوم فتغطيني ؛ وتسرح فى الدنيا وحيدة ، يأخذها السرد والنسج . لما أفيق أجدها مأخوذة بنسيج ما سردت فتواصل الحكى للا أحد ، وإن كنت موجودا فإنها مشغولة عنى ، لهذا أنصت للغتها البربرية التى لا أفقه منها شيئا ، و التى لم تحاول مرة أن تعلمني منها كلمة ؛ كأنها لغة طقسية محرمة لا تستخدمها إلا حين تكون وحيدة أو مكلومة أو فى وجد من الفرح . كنت فقط أعرف أنها لغة أهلها ، لغة أخوال أمي الذين لا تعرفهم ، و الذين يسكنون الجبل الغربى من حيث قدمت جدتي ؛ هكذا حدثتني أمي ذات مرة ، فالبربر قالت أمي : لا يحبون جدتك ، لأنها أحبت وتزوجت جدك البشير وتركتهم ، شد ما آلمني ذلك فمن يستطيع أن لا يحب جدتي ؟ .
الطيور أشكال وألوان تحط وسط البيت ولا تفزع ؛ فالطعام من فتات الخبز أو شئ من الشعير أو القمح الذى تجمعه أثناء تجوالها فى محيط البيت وتعزقه فى وسط الحوش ؛ هو ما يجمع الزرازير والخليش ، أم بسيسى ( الخطيف ) ، غراب الليل ، والقطقاط والنيسى واليمام . أندس فى الركن ؛ فى حديقة جدتي من العصافير الطليقة والحمام البرى التى تحط وتطير دون وجل أو خوف ؛ ففي باحة هذا الحوش يسكن الهدؤ والطمأنينة والأمان ، واسكن وجدتي التى تروح وتجئ دون أن يفزع الطير . فمن يستطيع أن لا يحب من تعرف منطق الطير ، و التى تترك الخرفان راعيها ساعة الذهاب إلى المرعى وساعة المرواح ، لتقف أمام باب البيت فى انتظارها حتى تطل عليهم تناغيهم ، تداعبهم وتمنحهم تارة ماء ، تارة عشبا ، وتارة لاشيء غير أن تحضن صغيرهم وتقربه من وجهى ، فيما يكون الراعي قد بعد عن المكان ، وبعدت الخرفان عن جزره وعصاه .
جلست وسط الحوش ، أخذت ترتب المسامير التى جمعتها مما تساقط من الأوجلى أسطي البناء الذى يبنى بيتنا الثاني ، تضع المسامير حسب الحجم فى الصندوق ؛ صندوق العجائب الذى جمع كل شئ وعدده مرتبا فى مكانه : خيوط الحديد ، القدوم ، المخائط ، الحبال ، المفك وغيره الكثير . وكعادتها أخذت تحكى : غريب أمر هذا الأوجلى أسطي حقيقي ؛ يعمل كل شئ لوحده ، لا عامل معه ، يرتب الأشياء بمهارة ؛ الحجر فى مكانه ، مونة الأسمنت كل شئ بدقة ، هذا كله يتم وهو - أستغفر الله - سكران ؛ زجاجة النبيذ والكأس بجانبه ، وهو لا يقبل العمل إلا إذا احضر له يوميا زاده من الخمر ، ولا يبدأ وضع الأساس إلا بعد أن يسكب زجاجة من الخمر فى ( التمالى ) أساس البيت الذى يبنى ، وقد قال ذات مرة أنه تعلم ذلك فى صغره من اسطي البناء ( الرقريقى ) ؛ اليونانى الذى تعلم على يديه مهنته ، وهو يحب الرقريق النصارى – استغفر الله – أكثر من المسلمين . لقد استمعت إلى هذه الحكاية أكثر من مرة من سى محمد الأوجلى وهو يسكب لى القليل من العصير الأحمر ، ثم يملأ الكوب بالماء مصرا على أن أشربه لأن فيه الصحة والعافية ؛ فهو عرق المسيح سيدنا عيسى عليه السلام ومحرم على السفهاء فقط ! . تنتهي من ترتيب صندوقها وحكاياها والبيت ؛ عندها تأخذ فى ترتيب هندامها حيث لم أرها إلا أنيقة نظيفة متطيبة سمحة ولايتم ذلك إلا بعد أن تطمئن إلى هندامي ونظافتي الواجب اليومي الذى توليه كل عناية . فالإنسان أجمل المخلوقات ، إذا كان مرتبا مهندما أمكن له أن يطرد الموت الذى يسكن الأوساخ ، ورسله الذباب ، الناموس ، القمل والبرغوث ، والجن الذين تطردهم بالبخور والفاسوخ والجاوى . تطيب النفس والمكان ثم تروح النفس بالدندنة وتنغيم الكلام ، وكثيرا ما تضحك حتى عندما يقع منها شئ ، أو تتعثر فى ردائها أو عندما يصعب علي لباس سروالي ، أو ينسكب الماء الذى أحمله على ملابسي فأصير مثل الديك على الحبل كما يحلو لها أن تشبهني ، تأخذها نوبة من الضحك وهى تقول : إنشاء الله خير ؛ خوفا من أن ينقلب الفرح إلى حزن أو تحوطا ، فهي تحتاط لكل شئ ؛ فالعمر نهبه ، لهذا لابد أن يكون الحرص عليه ديدننا . بذا لم يجد الهم فجوة أو مسرب لبيتنا ، وإن تسردب من تحت عتبة البيت فإنها له بالمرصاد فتلهيه عنها بى وتلهيه عن إفساد جذل طفولتي بها، وبالحرص على قتل الفراغ - رديف الهم أو كما تقول - بالشغل . شد ما أعجبها النمل وهى المرأة النملة ، شد ما حرصت على منعي من أذاه ؛ فالنمل مبارك ، لهذا ذكره المولى سبحانه وتعالى فى قرآنه ؛ النمل ينظف البيت من رسل الموت ، منهمكا فى شغله عن كل شئ ؛ بالشغل يقوى بدنه ويحصن حياته ويكفل استمرار ذريته ، وهو لا يؤذى أحدا لا يؤذيه . فأخذت أجمع فتات الخبز وأضعها بجانب بيت النمل أتأمله فى غدوه ومرواحه ، شد ما أدهشتني مقدرته على حمل الأثقال ومعرفته ، معرفته لما يحمل ، ومسارب المكان وبيته الذى لا يضيع عنه أبدا . أجلس الوقت اليسير من دهشة لدهشة أمام هذا الكائن الصغير الذى تحبه مثلما تحبني ، وتحب كل صغير ، حتى أنى مرة عدت إلى البيت فلم أجدها بحثت حتى تعبت ، وفجأة شاهدت نملة تنظر إلى ثم تحركت فى إتجاه بيت النمل فتبعتها فلا شك أن جدتي ضيفة على النمل ؛ لهذا وقفت محتارا كيف لى أن أدخل البيت والباب يضيق بى ، ثم وجدتني أهمس : جتي ، جتي ، الزائرة ، الزائرة وسمعتها تجيبني ، التفت فوجدتها وسط الحوش ، وهى تتمتم :كنت فى زيارة جيراننا ويسلمو عليك .
وجهها مدور لكن ذقنها الصغير فيه بروز والفم أصغر من أن يرى أما الشفتان فهما رقيقتان والجبين ناصع غير بارز ، العينان ضيقتان والتجاعيد هى تضاريس وجه القمر ؛ هذا الوجه غير الآدمي . أرسم دائرة فتقوم بوضع تفاصيل وجه للدائرة ، هذا الوجه هو عندى وجهها أما قامتها القصيرة ورجلاها الصغيرتان ، فإنهما يجعلانني أردد ما يقوله خالي من أن جدتي صينية ! ، وهذا الوصف عندى يعنى أنها مسطحة ، ولما شاهدتها وسط الحوش بدأ لى أنها صينية أفردت طولها . وصوتها حاد مثل زقزقة عصفور ؛ كثيرا ما قلدت صوتها هكذا : زيو زيو زيو.. وهى تطاردني فى البيت ، وحتى خارجه وتردد : أنا عصفورة وأنت بومة ، بهذا تهجو كبر عيني ، عندئذ يأخذنا اللعب ملح اليوم .
أخذت جدتي تسوح كل يوم بحثا عن لا شئ منذ سكنت العلوة ، وكأن النمل الذى هو أيضا يسوح يومه فى أركان البيت يسكن جسدها الصغير . تارة تجمع بقايا المسامير الملقاة على الأرض ، تارة تجمع ما تيسر من بقايا الخشب زاد التنور ، وتارة تسوح عكس عقارب الساعة ، ملسوعة بهذه العقارب فتبدو بأنها تختم العمر بهذه السياحة . فى مثل هذه الحالات تصوم عن الكلام ، ويأخذها سرد صامت لأيام العمر و تلهو عن كل شئ ، حتى الطعام لا تزرده ؛ إن الطعام يشغلنا عن أنفسنا فنلهث من أجله العمر دون أن ننتبه للزوال ، فالمعدة ليست بيت الداء وحسب لكنها بيت الضياع أيضا ؛ تشغلنا عن بقية الجسد . لما تركت غريان أيام الحرب حرب الانقليز والطليان ،كنت وصغاري نلوذ من الجوع ، كانت هذه البطن الملعونة تجرنا جرا لأي مكان ، لم أعرف أين نذهب فقط نريد طعاما ، فى الشرق صابة كما بدأ لنا . لقد أكلت الحرب الأخضر واليابس ، ولم أعرف لما يتحارب هؤلاء النصارى فلم يكن الهم يعطينا الفرصة لنعرف ، المعرفة شغل الشبعان . حافية أحفر الفيافي ، وفى الطريق كل شئ ما عدا الأكل ؛ النصارى وحربهم أكلوا أي شئ حتى الحديد والرصاص وبنى آدم طبعا . لاشيء فى الأفق غير الموت الذى لا يشبع ، فكيف لى أن أحمى صغاري ولا يأكلهم الموت ، لا يأكلهم الجوع ؛ الجوع الذى يسكن أحشائي وهذا الدمار الذى يلاحقنا من غريان حتى قمينس القرية التى حططنا بها الرحال . فى الطريق ومثل كل مكان مررنا به ، لبد الموت تحت لغم وبجانب قنبلة ، كان يطاردنا برفقة الظل ، وفى عين الشمس التى سياطها من صحراء سرت حتى تراب قمينس تلسعنا ، وهذه البطن اللعينة تلهث بنا ؛ عربة للموت كانت والصغار يلهثون حفاة ، على الأقدام نقطع الأرض ، أياما وليالي ولا نهار فالشمس ليل أقسى من كل ليل ، شمس الجائع والخائف والعاري ظلم وظلام . فى غريان حصدت الحلفا وفى الطريق حصدت الهول ، فى غريان طاردت الطير وعلمت صغاري الصيد وفى الطريق من غريان إلى قمينس طاردت السراب ، ما أعذب سراب العطشان . السراب يقاتل الخيبة ويعارك الأهوال والشرق أفق لغربة ، كنت أقطع الصحارى وصغاري بسكين هذا الأفق . صغاري الستة ؛ ثلاثة أولاد وثلاث بنات ، مات أبوهم بغتة هكذا دون أن يترك زادا أو ينتظر قليلا حتى تنتهي هذه الحرب الملعونة ، حتى ينتهي النصارى من شجارهم ، إن البشير رجل لا يستحق الرحمة فلقد مات وحملني فى بطني مسدس الجوع هذا الكافر ، لكن الميت لا يستحق شيئا غير الرحمة والحى يستحق الجوع . أعوام وغريان تسف الرمل والسماء تحبس المطر ، أعوام لا طير غير طير النصارى وأزيز الرصاص وآذان المدفع ، أعوام كم فى العمر عام ، عام الرمادة وعام البمبم وعام لا نهار فيه ، أعوام : لا زيت ، لا زيتون ، لا زميته ، لا ايدام ، لا حصيدة ، لا قلية ، لا فواح ؛ عام البارود ، عام الحريقة وعام وعام . بين غريان وقمينس أيام مثل أعوام وفى قمينس جوع ، لكن حططنا الرحال ، والحق دفنا الأقدام لما لقينا الترحاب من بدو عراة ، وأفواه تلتقم الصبر: تعدى في الأيام بلقم الريح . بنى كبير الصغار العشة من سعف النخل الجاف ، وأعواد الحطب التي لم تشعل فيها النيران لغياب الحبيب الطعام ، وأخذت الصغار نحصد أسمال ؛ عيدان القمح العجفا ، نسد على الجربوع الحفر ونفخخ للقبرة ونقتات ، قنفذ ولا الجوع . آه عمر أم مسبحة تسبح بسم الموت الذى يسكن الجسد ولم نذق طعم للحياة ؛ لم نذق طعم للحياة فيك يا عمر والبحر جارنا ؛ فهو جار لقمينس حيث حطت الأقدام وأقيمت العشة فهل نأكل آخر الزمان الدود ؛ دود البحر الذى يسمونه حوت : سمك . إنه كما دود الأرض الذى ينخر أجسادنا التى من تراب ، نسف هذا التراب ولا نقرب البحر ونأكل من دوده ، يأكلنا الجوع ولا نكون من أهل البحر نحن الذين كرمنا الله بأن نكون من أهل البر . وصرت راعية لصغاري من عروس البحر التى لا صغار لها ؛ لهذا تخرج لصغار أهل البر بالناي تغنى وتسحرههم ، ثم فى غور اليم تأخذهم . بين عروس البحر وبين ذئاب البر ، وكنت صغيرة جميلة شقراء وعيون خضر ، امرأة من غريان يشتهيها رجال البدو ، بين حرب النصارى وبين حبس السماء المطر ؛ بين هذا وهذا بددت عمر الجوع ، وتلحفت سني البرد وجمعت الخيبات ، كان الفقر رجلا وأنا امرأة وحيدة ومسدس صغار . ثم أرخت الحرب سدولها هزم الطليان وخيم الانقليز فى البلاد ، وصار نجع العرب بنغازى التى عاد رجل منها يصيح فى العباد : قالك قمينس بلاد . تزوجت وزوجت البنات مثلما تزوج الرسول عائشة ؛كانت الصغرى تلعب النقيزة مع ثلة من الصغيرات لما زفت لعريسها ، لكن كيف لامرأة بثلاثة صغار بزوج ، فكان الطلاق بالثلاثة الذين ثقل حملهم . غب الحرب نزل على الوطن ضيفا عزيزا ؛ عز وقت الضيق ، درت السماء بحليبها وأطلق المحبوس بعد أن بقيت الأرض فى غصة زمن وأي زمن . وجاء أمير يسعى قيل لخير البلاد ، وأنه السنوسى شيخ الطريقة وشيخ الشيخ عمر المختار الذى حارب النصارى حتى شنق . لم أفهم ، ولم أرد أن أفهم ؛ الشيخ حارب النصارى ( الطليان ) ، وشيخ الشيخ إدريس السنوسى جأ مع الإنقليز ، أليس الإنقليز نصارى ؟ .
لما حل المطر لم يرحل الجوع ، لما حل الانقليز لم يرحل الطليان ، لما حل الزوج لم ترحل الوحدة ؛ فقد بقى صغاري جوعي وأرادني الزوج وحيدة ، ولا غيري . كثر الصغار الذين يسرحون دون عائل فقد غادر الدنيا من فرض عليهم المجيء لهذه الدنيا ، بعد الحرب نزل المطر ونبت اليتامى والمتسكعون والشحاذون والسارقون والمجانين والمعرصين من كل فج ولكل سبيل ، كأن الأرض ولدتهم . بعد الحرب تطلع الغولة التى لا تحب أن يكون لغيرها صغار ؛ بعد من حلاوة الروح أكلت صغارها ، لهذا ترصد عتبة كل بيت وكنيف وجبانة ، وفى أفواه الغابة تسكن تطلق أياديها وتنخ شعرها الأسود ، يطول الليل ويحلك ظلامه ثم تختلس من بنات حواء صغارهم . ومن حلاوة الروح : عذوبة الأمومة طلقت الفراش وتركت الدفء ، وزحفت لصغاري على الركب حتى دميت ، بالدم رصدتهم وبحجاب الأم حصنتهم وكانت بنغازى تناديني فلبيت مسرعة النداء .
لكن لماذا كان على أن أغادر غريان أتلبية لنداء البطن ، يارب نحن من دابة أم منك ، كنت فى غريان أسد الرمق بالزاحف من الدواب والماشى ، وفى صحراء سرت ما من دابة ، فإذا كنت يارب أنا وصغارى منك فلم أحتاج هذه الدواب ، لماذا لكى أحيا على أن أكل الحياة التى تجعلنى ألبى نداء السفر فى الفيافى تطاردنى بطنى وأطارد كل ذى بطن ، وإذا لم أكن منك لم لا أكن قطة ؛ آكل صغارى أسد الرمق وأرتاح ، لماذا هربت من غول غريان الذى ينهش البطون إلى سلال القلوب : قاطعة صحراء سرت موطن عزرائيل إلى حيث لا أعلم . فى الطريق من تغسات قلب غريان الجائعة انحدرت مع الجبل لم يكن ثمة أحد
غير أثرياء اطرابلس الفارين من جهنم الحرب إلى دواميس غريان بيوتنا التى حفرها الاجداد تحت الارض ؛ مساكنهم الخاصة التى كأنها القبور ، الدافئة شتاء والباردة صيفا ، إنها قبر الدنيا كما يقولون ، من هذا القبر فررنا واليه يفر الطرابلسيون ، الداموس بيتنا الذى لم يآمننا من جوع آمنهم من خوف .كانوا قوافل يعطون ظهرهم للحرب وللشمس ، وكنت وحيدة وصغارى نحث الخطى للبوتقة ؛ ندخل ميدان الحرب ونواجه الشمس المحرقة . تظللت حية بشجرة رتم كنت قد جعلت منها بيت القيلولة لصغارى فاصطاد كبيرهم الحية بأن أمسك رأسها باصبعيه ، ثم سلمها لى بعد أن داعب اخوته الذين هرولوا بعيدا ، جمعوا الحطب أوقدت النار من محرقة الشمس ثم فى وسطها رميت الحية. قلت : هذه نار الله الموقدة ، فقالت سوف اسيح جلدى وجلد أحد صغارك ألبس ، من النار كنت وأنت من طين ، قلت بعد حين فى اطرابلس أدخل وانت تدخلين البطن فى الحين ، فقالت اطرابلس بركة الدم قالها سيدى عبدالسلام الاسمر . حينها أدركت أى إثم إقترفت لكن الجوع كافر وما لعودة من سبيل . اندسست وصغارى تحت رداء الليل ، برفقة قنديل السماء وبشحم الحية الذى سرى فى الدماء كنا نقطع الطريق فى صمت مريب ؛ موسيقاه عواء ذئب جائع خائر القوى مما كان يؤنس وحدتنا . حين أطلت اطرابلس كان عواء الفارين من طيور النصارى يملأ الافق والنيران تسورها ، وقد حاول بعض الفارين سلبنا ففرننا من السلب شرقا ، لم نر غير البيوت الشامخة تصرع بمدماك ينزل من السماء ؛ طير سجيل ، ونصارى يتقاتلون وأهل المدينة عنها يفرون وليس للنجاة من سبيل ؛ فقلت فى نفسى صدق سيدى عبد السلام .أما الخمس فشاحبة وعلى جبلها الطليان يتشاتمون ، وهم يرقبون من ( المرقب ) أعلى جبالها الانقليز الذين يزحفون على البلدة تحت غطاء من النيران ، ولم يكن للمقام من سبل فتسربت بين جثث الجرمان وعواء الطليان ونيران الانقليز شرقا . فى مقام سيدى عبدالسلام نعست على قرقعة البطن وأنين صغارى صحوت ، لم يكن فى زليتن قتال لكن مقام سيدى عبد السلام ضاق بما رحب فالناس جوعى وبهم طمع ، فشددنا الرحال بعد أن مصصنا كرناف النخل وشربنا مر الماء . يبس الحلق وتشققت الارجل ، لكن لا راحة ، الراحة فى القبر ، أما الدنيا فمقام للفارين أبدا ، وأبدا كان على أن أبعد عن المساكن ؛ لأن الناس تطرد من جوع وخوف كل عابر سبيل . ولأن بعض جنود النصارى بهم مس ؛ جنون الحرب هم لذلك يغتصبون كل حية ! ، ولأنى - زيادة على ذلك - عزلة كنت أحتمى بالعزلة من الناس مسلمين ونصارى الذين جميعا يحملون أسلحتهم وبطشهم وديدنهم الخوف ، فى مصراته كان ميدان الحرب يشتعل بالعدوان النصارى بدبباتهم يعتدون على كل دابة ، يقتتلون ، ويقتل الطليان وهم ينسحبون أهالى مصراته إنتقاما لترحيبهم بالانقليز الذين بدورهم يقتلون الاهالى لأنهم تعاونوا مع الطليان ، والاهالى يقتلون بعضهم من الخوف ، كان البعض يقتله الجوع وأنا أفر من ميدان الموت هذا إلى صحراء سرت . يممت الوجه شرقا وصليت صلاة الغائب ؛
حيث هج الجمع عن الصحارى التى منها جعل كل شئ غير حى ، ودس بين كثبانها ما أتقنه النصارى من سبل جديدة للموت ؛ ألغام ألوان وأشكال . النصارى الذين اتخذوا من مدن البلاد ميادين عراكهم لم يطب لهم المقام بسرت ، وإن تركوا آثارهم مدسوسة تحت كثبان وأحجار النار الموقدة من شمس لا تكف سياطها عن تسويط هذه الصحراء ، التى لا تنتهى وهى التى لا بدء لها . كنت وصغارى كمن يلعب نشد بعضنا البعض اتقدمهم وفى كل خطوة النهاية ، وفى كل خطوة النجاة ؛ في النجاة نلمح دائرة الموت التي تضم جملا أو ناقة دخلت الدائرة هربا من مدى مدفع ، أو قناص يلبد في كل فج ومن كل فج ، كان الطعام على مرمى اليد ، لكن ما باليد حيلة فالمرمى ملغم بفعل طليانى لا يريد لدابة حياة ، لذا سور بجن معدنى يلتهم كل من يدوس أرض الخلاء ؛ سرت التى كان سيدنا سليمان قد نفى فيها الجنون الحمر الذين تمردوا عليه . هكذا غلب سلطان النوم وتغلب السراب بجناته الموعودة على جهنم القائمة حيث حللنا بهذا الخلاء ؛ خلاء بونجيم الذى يتبعنا حيث نكون ، وقد أكلنا الرعب نامت شياطين الجوع فى البطن هامدة ، بدأت وصغارى كأننا نقتات من الخوف بما يعدنا به السراب من مستقبل جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت . قال لى الفقيه فى غريان لما عزمت على الترحال ؛ أن الله لا ينسى عباده الصالحين حتى أنه أنزل على اليهود لما تاهوا فى صحراء سيناء المن والسلوى ؛ وقد رأيت السلوى فى صحراء سرت ؛السلوى كان هو الرعب الذي أنسانا بطوننا فبدأ أننا نجرى بها خفيفة على أكف بساط الريح والزمهرير ليل نهار ، بنا مس الهول وعظائم الأمور ولنا السراب اليد الحنون ؛ وقد كان المن .
حين خرجنا من هذا البلاء مولودين ، أنا المرأة الشابة الوحيدة وصغارى الستة ؛ كانت اجدابيا تتلقانا صرعى من معتقل العقيلة الذى حدثنى عنه الناس بعد ذلك بوقت ؛ قيل لنا أن الطليانى غرسيانى حاكم برقة قد رص فيه القبائل البرقاوية رصا ، جمعهم من طبرق حتى الابيار هم وإبلهم وأغنامهم ، سورهم فى العقيلة بـ( الشبردق ) حيث لا ماء ولا زرع ، غطائهم سياط شمس مجنونة ، زمهرير ليل به مس . وجند عرب منهم وطليان وأحباش يلقمونهم العذاب ، وأهل برقة يقتاتون الفجائع كل وجبة بموت أحدهم أو اغتصاب امرأة منهم ، ينامون ليلهم على عويل جديد فى كل ليلة ، كل هذا ليحاصر ثلة من المحافظية المجاهدين فى الجبل الأخضر يقودهم شيخ جاوز السبعين يدعى عمر المختار . لما سمعت ذلك توكدت أنى وصغارى ولدنا مرة ثانية : عويل فى كل مكان ، رجل دون رأس يطلب رشفة ماء ، امرأة عارية تدثر طفلها بيديها ونصفها التحتى لا وجود له ، قهقهة وأحاديث هامسة ، طليانى يصرخ مبقور البطن ودون سروال يجرى ، فيما إمرأة لها رأس دون جثة تجرى خلفه وهو ينادى : ماما ميو ماما ميو . رجل ملتح أسنانه تنزل من فمه حتى الارض يمسك بأحد صغارى ويقتلع يده ثم يلتهمها ، آخر يدحرج رأس ابنتى الصغرى ويلعب به مثل كرة .كل شئ يشتعل بالنيران ، وكل ما يظهر لى من الرمال ؛ الرجال الذين لا رؤوس لهم ، النساء اللواتى لا نصف تحتى لهم ، الاطفال المبقورين ، فى الرمال يغوص . وكنت أغوص فى الرمل ثم أنهض ، لكن للسراب يد حنونة فكل ما ظهر لى كان فى أفقه جنة موعودة ، تبدو أقرب من الوريد .
لم تكن تغريبة وحسب لكن أينما حللنا كنا نرقب ازدهار الخراب ؛ لقد تصحرت الدنيا وفى اجدابيا رميت نفسى بين يدى السراب . لأول مرة يصرعنى التعب فى هذه التغريبة ويبدو لى الموت منقذا ؛ لقد هجرنى النوم فيما عافت البطن الطعام والماء زعاف ، فى بيت شعر حبست عن الشمس عدوى الذى ماتعب وقد ظللنى التعب . ظلت روحى تهيم عنى بعزرائيل الذى عافها ، لم أعد أريد شيئا حتى اللبن العزيز عن مشايخ النجع ولا الزبدة ولا المثرودة التى لم يرها النجع منذ وقت إلا فى أضغات أحلامه . فى يوم بدأ أنى على وشك المغادرة الأبدية ؛ حتى أن أهل النجع رجالا ونساء أخذوا يتوافدون ، كل أرض قبر كما أن كل أرض معاش همس شيخ فى أذن جاره فتعافيت . قالت نفسى لا قبر ولم نطل المعاش بعد ، أزاحت روحى عنها غبار السفر فانتعش جسدى لما بللته الروح بالمغالبة ؛ بدأ أنه لا بد من قمينس وإن طال السفر . رفرفت أرواح الصغار الستة فى سماء أحشائى لما همس الشيخ لجاره ، عندما فتحت عينى رأيت فى عين الشيخ شهوة فتاقت نفسى وأنتشلت من غياهب مدلهمة ؛ تنملت أوراكى أولا ثم شفتى وبلل الريق الرائب حلقى فتنفست الصعداء ، صرخت الصرخة الأولى أو صرخة العذارى فتعافيت . إن كل ما مر حكى كذوب وسرد سكارى ، فالموت ليس رديف الحياة و الشهوة بين الفخذين ؛ الموت هو الحياة وكل نفس تواقة لغيبوبة ، لأن تسرق لهنيهة ، لأن تخرج من الميت حية ؛ هى الحية التى شويتها لجوع أطفالى فندست فى مكنونى مشهاب نار . أين ذهب أخوكم الصغير ، هذه السباخ ليونة صحارى سرت مثل جلد الحية التى أكلتم ، وفيما وراء السبخة سبخة فسبخة بل رمال متحركة أو كما يقولون ، تهنا عنه أم تاه فى جبروت هذا البساط الأبيض ؛ ملح الطعام حارق اللحم الذى يعمى البصر ، والقبل هول أعمى البصيرة ، لم أبحث عنه فقد خارت القوى والراى والتدبير أنى وقد صرت قاب قوسين أو أدنى من الشرق فإن الغرب يسترد منى أولاده ؛ البشير نهض من سبات وهو يسلبنى ما دس فى أحشائى وأن الرب يأخذ أمانته . لما تاه عنى صغير صغارى تاهت نفسى ؛ لأول مرة يصرعنى التعب فى هذه التغريبة ويبدو لى الموت منقذا ؛ لقد هجرنى النوم فيما عافت البطن الطعام والماء وفى بطنى تحركت الحية ، أخذنى نفاس ومن فمى ولدت . عائشة صبية ماتت أمها، تزوج أبوها امرأة أخرى ، أنجبت تلك المرأة بنتا .. كانت إمرأة الأب لا تحب الصبية . ذات يوم أحضر الوالد سمكا ، وفيما كانت الصبية تنظف السمك ، كلمتها سمكة فقالت :
- أطلقى سراحى يا عائشة ، فسوف أرد لك الجميل ذات يوم .
أطلقت عائشة سراح السمكة ، وحينئذ أعطت السمكة لعائشة سبع زعانف ، ثم قالت لها :
- حينما تحتاجين ، وتكونين فى ضائقة ، أحرقى زعنفة لكى أتى اليك ، وأدبر لك الخلاص .
كانت زوجة الأب تفكر فى مكيدة للتخلص من عائشة ؛ صنعت لها خبزا ، ووضعت فى الخبز صاعين من الملح ، ثم أوصت الجيران ألا يعطوا لها ماء حين تظمأ .
لم يبق من الجيران غير عجوز لم توصها زوجة الأب ، عثرت عليها عائشة وسائلتها قائلة :
- أعطنى يا جدتى ماء .
ردت العجوز وقالت :
- .. .. .. لن أسقيك حتى تنظفى من شعر رأسى حفنة من الصئبان ، وحفنة من القمل .
رضخت عائشة للأمر ، وبعد أن فعلت ما طلبت منها العجوز ، أعطت لعائشة سطلا كى تستخرج به الماء من البئر .فى تلك الأثناء .. جاء موسى وعيسى ، فوق خيولهما المطهمة وقالا لعائشة :
- واسقنا ، واسق خيلنا !
سقتهما عائشة ، سقت خيلهما قبل أن تسقى نفسها . ثم جاءت تفاحة وقالت لعائشة :
- اسقيني .
فسقتها . ثم جاءت برتقالة قالت :
- اسقيني .
سقتها ، وأخيرا شربت عائشة ، وفيما كانت تهم بالذهاب قام عيسى فقال :
- ادع يا موسى .
بادر موسى بالدعاء لعائشة قائلا :
- جعلك الله تمشين والحرير يتهدل بين رجليك .
بعدئذ ، قام موسى فقال :
- أكمل ياعيسى .
أكمل عيسى الدعاء فقال :
- جعلك الله تضحكين ؛و المطر يهطل ، وتبكين والتبر يتناثر .
ثم قامت التفاحة فقالت :
- فلتكونى مثلى فائحة .
قالت البرتقالة :
- كونى مثلى براقة .
كانت زوجة الأب تنتظر أن يأتوا إليها بخبر موت عائشة ، لكنها لدهشتها ، لم تلبث أن دخلت عليها والحرير يحف بين رجليها ، المطر يهطل والتبر يتناثر ، فائحة مثل تافحة براقة مثل برتقالة .
ما أن لاحظت زوجة الأب ذلك ، حتى قالت لنفسها :
- آه .. آه يا أماه ! مادام الأمر هكذا ؛ مادامت ابنة الكلبة قد رجعت بكل هذا الخير فإننى سأقوم بنفس الصنيع مع إبنتى .
إثر ذلك ؛ قامت المرأة ووضعت صاعين من الملح فى خبز ابنتها ، وأوصت أهل الجيرة ألا يعطوا إبنتها ماء كى تشرب ، ماعدا تلك العجوز فلم توصها . عثرت الصبية على تلك العجوز ، فبادرتها على الفور :
- أيتها العجوز .. أعطنى سطلا لكى أجلب الماء من البئر .
ردت عليها العجوز :
- حتى تنظفى من شعر رأسى ؛ حفنة من الصئبان وحفنة من القمل .
فقالت الصبية :
- انزع منك سعدك وبختك أيتها الشمطاء . !
ثم قامت وطرحتها أرضا ، ونزعت منها السطل . حين بدأت فى استخراج الماء وقف بمحاذاتها موسى وعيسى بخيولهما المطهمة ، فقالا لها :
- اسقنا واسق خيلنا ..
ردت الصبية :
- سأسقى سوء طالعكما ..
وأضافت الصبية متهكمة :
- هل أطعمتنى أمى صاعين من الملح لكى أسقيكما ؟ .
ثم جاءت التفاحة فقالت :
- اسقيني .
أجابتها الصبية :
- سأسقى خيبتك ..
ثم جاءت البرتقالة فقالت :
- اسقيني ..
- سأسقى طالعك النحس !
شربت الصبية وطوحت السطل بعيدا ، وهمت بالرجوع فقام عيسى فقال :
- جعلك الله تمشين والسخط والجليد يتساقط ، وتبكين وبولك يتقاطر ..
ثم قامت التفاحة فقالت :
- كونى مثل تفاحة صائصة .
ورددت البرتقالة نفس الدعاء .
هرعت أم الصبية لأستقبال إبنتها فوجدتها قد جاءت لها بالشر : الثعابين ملتفة على ساقيها والسخط يتساقط حولها ، فلم تجد ما تخبر به الناس . فبقيت زمنا طويلا تفكر ؛ وفى يوم من الأيام جاء السلطان خاطبا يد عائشة لأبنه ، فقامت زوجة الأب وأعطته إبنتها ، وحجبت الطلب عن عائشة .حملت الصبية من ابن السلطان ، وذهبت عائشة لتزورها ، وحين آوان المخاض : ولدت ثعبانا ! .قامت عائشة بإخفاء الثعبان فى جزة صوف ، ثم ذهبت إلى بيتها . فيما بدأ الناس يوشوشون : زوجة ابن السلطان ولدت ثعبانا ، زوجة ابن السلطان ولدت ثعبانا.
فى يوم من الأيام كبر الثعبان نما وترعرع ، ثم نطق فتكلم فقال :
-على ؛ إبنكم يريد الختان ، خاتنته قابلته عائشة بنت الحوات ! .
أسرع الناس يبعثون لعائشة أن تأتى .. وأن تختن الثعبان ، فقالت بأنها سوف تفكر فى الأمر .
بدأت عائشة تفكر ؛ فكرت كثيرا ، وأخيرا قامت وألقت إحدى تلك الزعانف فى النار فجأت لها السمكة فبادرتها عائشة بأن ( فكرى لى أيتها السمكة ، إننى خائفة من الثعبان ) .
أجابتها السمكة :
- اذهبى و لا تخافى البتة ، قولى لهم أن يأتوتك ببلطة ، ما أن تبصرى ذيله .. اقطعيه ، ثم رديه فى جزة الصوف .
ذهبت عائشة ونفذت ما قالته السمكة .
مرت أيام وكرت شهور وانسابت أعوام ؛ فازداد الثعبان نموا ، غلظ عظمه ، اكتظ لحمه وشحمه ، فنطق مرة أخرى وتكلم للناس فقال فيما قال :
- على ؛ ابنكم يحتاج إلى إمرأة ، قابلته خاتنته عائشة بنت الحوات .أسرعوا مرة أخرى يبحثون عن عائشة ، يخطبون يدها ، فطلبت أن يمنحوها فرصة للتدبر فى الأمر . فكرت عائشة فى الأمر المذهل قليلا ، ثم ما لبثت أن ألقت زعنفة أخرى من زعانف تلك السمكة فى النار ، فجاءتها السمكة مسرعة كى تبادرها عائشة :
- أنجدينى أيتها السمكة العزيزة ؛ كيف لى أن أتزوج ثعبانا ؟ .
أجابت السمكة ، غير عابئة بالأمر :
- لا بأس .
أفزعت السمكة عائشة من هذه الإجابة الغريبة ، فقاطعتها قائلة :
- لا بأس ؟ كيف ؟ ألا يبتلعنى ؟ ..
قالت السمكة بكل هدؤ السمك :
- كلا ، سوف لن يأكلك . وها أنذا أهديك إلى حيلة ؛ إشترطى عليهم أن يأتوك بحمار محمل بالحطب ، سبعة قمصان لك ، وسبعة أخرى للثعبان . واشترطى عليهم أن يسكنوك فى مسكن خاص . بعد أن يدخلوك إلى دار العرس ، اصنعى لهيبا كبيرا ،ثم احرقى فيه تلك القمصان : انت ترمين إلى اللهيب بقميص من قمصانك ويفعل الثعبان بقميصه نفس الصنيع .هكذا قميص تلو قميص حتى تاتى النار عل كل القمصان .. فى اثناء ذلك رددى هذه الكلمات :
-ارم ثوبا وسأرمى بثوب
استسلم ياولد السلطان ..
رددى ذلك سبع مرات ،وما أن تأتى النار عل كل تلك القمصان حتى يتحول ذلك الثعبان إلى رجل ..إنسان .
حين رجع الناس إلى عائشة ليستقصوها عن رأيها أجابت إنها قد قبلت ، واشترطت عليهم عين شروط السمكه ، فقالو لها : حسنا .بعدئذ أخذوها إلى بيت الزوجيه وصنعت ذلك اللهيب وتقابلت عليه هى والثعبان ؛ بدآ يحرقان تلك القمصان ،فيما اخذت عائشه تردد :
ارم ثوبا وسأرمى ثوبا.. اسستسلم ياولد السلطان .
ما أن أتت النار على كل الأثواب حتى أسلم أو استسلم الثعبان ؛ لقد لاح شابا وسيما كأنه ظبى من الظباء .
تلك الليله بقى افراد اسرة الثعبان ساهرين ، لم تذق جفونهم طعما للنوم ، وعلى طول تلك الليله كانوا يقولون : ويلنا أيكون قد أكلها ؟ . لكن ما أن لاحت الخيوط الأولى من الفجر حتى
خرج عليهم رجل كأنه غزال ؛ الأمر الذى أفرحهم ، وأدخل الغبطه فى نفوسهم ، ثم قاموا وأولموا الوليمه الكبرى ، أقاموا عرسا لمدة سبعة ايام وسبع ليال ، واكرمو كل الأحباب.
ذات يوم جاءت زوجة الأب إلى عائشه وقالت لها:
- عائشه يا إبنتى هيا بنا لنأتى بالحطب .
وافقت عائشه على اقتراح زوجة أبيها ، ثم أخذتا حمالات الحطب وذهبتا لتحتطبا ، بعد أن ملأتا تلك الحمالات قالت زوجة الأب لعائشه
- عائشه يا إبنتى تعالى أسوى لك شعرك
استحسنت عائشه هذه الدعوه من زوجة ابيها ،وتركت المرأه تعبث بشعرها اذ سرعان ما استسلمت هى للنعاس . ما أن احست بأن عائشه نامت حتى نهضت ،وقفلت راجعه تاركه عائشه نائمه وحدها فى الخلاء الخالى .حين استيقظت عائشه لم تجد فى جانبها احدا ، تلفتت فلم تلحظ على مقربة منها انسانا ، نادت باعلى صوتها فلم يجبها سوى صدى صوتها ؛حينذاك أدركت عائشه المصير الذى آلت إليه فطفقت تبكى حظها .
فى تلك اللحظَه حطت إلى جانبها عصفورتان كانت العصفورتان قد دخلتا فى عراك مرير ، وكانت احداهما قد اوشكت على الموت فأخذت تلفظ انفاسها الأخيره .لاحظت عائشه ذلك ؛فأسرعت وقطفت وردة وبدأت تشممها للعصفورة المسكينه التى سرعان ما استعادت حيويتها ولم تمت . إحتفضت عائشه بتلك الورده ، ووضعتها فى حزامها ثم استأنفت بكاءها وعويلها . فى لحظه من تلك اللحظات حركت جفونها ، فأبصرت خياما من خيام البدو ؛ فاتجهت صوب تلك الخيام ؛ كانت تلك الخيام تعيش مأتما – مأتم شاب اختطفه الموت مخلفا سبع اخوات ،كان جثمان الشاب لم يوار التراب بعد ؛لأن اخواته كن قد استغرقن فى البكاء . حين وصلت عائشه وجدت جثمان الشاب مطروحا فوق الأرض فتذكرت تلك الوردة ، فأخرجتها من حزامها وقربتها من أنف الشاب الذى سرعان ما شهق وزفر ، دبت الحياة فى أعظائه مرة اخرى لكى يرى اخواته ما زلن يبكين فصرخ فيهن قائلا :
-اسكتن ، كفى صراخا ..
ابصرت الأخوات أخاهن وقد عاد حيا ، فأسرعن يعانقنه ويقبلنه ؛لكنه قال :
- بل قبلن وأشكرن هذه التى بعثتنى حيا ..
التفتت الأخوات إلى عائشه وأسرعن يعانقنها ،ثم أقام الجميع الولائم والتكريمات ،فيما بادر الشاب إلى عائشه فتزوجها .الآن إحتاج زوج عائشه الأول إلى عائشه ؛ فلم يجدها، أخذ معه غرابا وطفق يبحث عنها حتى عثر عليها ،عرف أنها زوجته، ما أن علم بأمر زواج عائشه حتى دخل فى خصام مع زوج عائشه الجديد : هذا يقول انها زوجتى ؛وذلك يدعى الادعاء نفسه ، سمع الغراب بموضوع الخصام ، فنطق قائلا :
-ياعائشه كونى عائشتين ، ويا ايها الهودج كن هودجين ..
انقسمت عائشه إلى إثنين ، وأخذ كل زوج عائشته وهودجه .
ولدت حكاية وألف بعد أن خاط الصمت فم جدتى ، أخذت تسرد لنفسها . عادت جدتى الى ووجدتنى أرقص مخبولا بها ومخمورا بحكيها . مرارا وتكرارا ترحل عنى لكن هذه المرة طال الرحيل وتوج الوجوم وجهها طوال المدة الطويلة . هل كانت تحج إلى نفسها ، وأنها نذرت أن تكف عن مخاطبة البشر ، أم كانت تريد أن تغيظنى وأن أكره البقاء معها ؛ فقد عاد أبى يأخذنى بين الحين والحين غصبا وقهرا عند الفجر إلى دكانه الذى يبيع فيه كل شئ ؛ من حبة الأسبرين حتى المحراث والمخائط ، السكر والشاى ، الملابس العربية المصنعة فى البيوت ، العسل والسمن ، الشحم الملفوف فى ورق ردئ وقد صبر بالملح . انه دكان فحم وقاز ، فتيل وفنارات قاز ، سواك وبخور ، رزوشعير وقمح ، خبز وزيت ؛ زيت زيتون وزيت تريبيه أو البقايا من فتات الزيتون . دكان لوز وكاكاوية ، ابر وبابور قاز ، طماطم صلصة تباع بنصف قرش الملعقة ، خضار وفاكهة ، فحم وحطب فاسوخ وجاوى ، جير وملح ومعلبات متنوعة . هو دكان حلوى ديك صناعة محلية وحلوى مصنع كانون : حلوة بر الترك وحلوى ملبسة ، فلفل أحمر وأسود ،كركم وبهارات ، تمباك ومضغة . وله بجانب هذا الدكان مطحن لطحن الحبوب والملح والحلبة ، فى الخلف يوجد مخبز للخبز الابيض يجلب له الجيران الخبز من بيوتهم لاجل طهيها وطواجين من لحم وسمك ومحشيات ؛ كل هذا يتم بالمقايضة فالدكان محل للبدو . البدو الذين يجلبون لوالدى محاصيلهم من سمن وزبدة وخرفان ، من بيض ودجاج ؛ وهو يوفر لهم كل شئ حتى مكان استراحتهم يوم قدومهم المدينة ؛ يوم ايحدروا ، والمال الذى سوف يقضون به فسحتهم فى البلاد : السينما وشوارع المتعة الرخيصة والقمار الشعبى : الحمراء تكسب السوداء تخسر ، ويوفر أيضا استراحة دوابهم فى فندق الحمير ، البغال والخيل بدكاكين حميد المسمى الدار البيضاء . كان البدو يأتون كل فجر يوم جمعة ، أما فى بقية الافجار فكان يمر العمال كل يوم - إلا يوم الجمعة - حيث يجهز لهم أبى : 100 جرام سكر ، 50 جرام شاى أحمر مسكوف ، 50 جرام طماطم صلصة ، 50 جرام زيت تريبيه ، يلف كل نوع فى ورق أصفر خشن ، أما الزيت ففى زجاجة مشروب غازى فارغة ، إلى جانب ثلاثة أو أربعة أرغفة وأحيانا قليلة رغفين . كان عدد العمال الذين يستدينون من والدى فطورهم وغذاءهم يتجاوز ال 200 عامل ، يدخل كل عامل ممسكا بيده ورقة صفراء باهته من نفس الورق الذى تلف فيه حاجاتهم ، وعلى أن أكتب ثمن ما أخذ هذا العامل على الورقة ، وهو رقم ثابث لا يتجاوز بأى حال العشرة قروش . أكتب 10 أو 8 فقط فهذا هو المطلوب منى ، وقد طلب منى المستطاع لولا الشقاء والتعب ، يتم هذا من الفجر حتى موعد مدرستى ، طوال هذا الوقت أكون واقفا على كرسى حتى أطول الطاولة التى أكتب عليها دين العمال لذاك اليوم . أما البدو فلم يكن والدى يسجل لهم ما يأخذون من بضائع بل كانوا هم يعرفون ذلك شفويا ، يتحاسبون مع والدى ساعة يزورهم فى بيوتهم بالكويفية أو دريانة ، أو يزورنا أحدهم فى بيتنا الذى كان مضافة لكل زبائن أبى من البدو . ولوالدى فرن جير يجلبون له الحطب الذى يهربونه عن حرس الغابات ؛ هذا الحرس الذى كثيرا ما زار دكاننا - مثلما كان يزوره الورديه أي الحرس البلدى - ؛ لغرض الحصول على سجائر وكبريت وأشياء أخرى يسمونها ميزة . لقد بدأ لى أن فى صمت جدتى مؤامرة يحيكها أبى من أجل الاستحواذ على ، وإخراجى من جنتها كما أخرجت أمنا حواء سيدنا أدم .
لم يستهوني دكان الدنيا هذا ، ولا الأطفال الذين بدأوا يستميلوننى بعد أن ظهرت كابن لصاحب هذا الدكان . لم آخذ بمكر الطفولة هذا ولا بمداعبات رواده وخاصة البلهاء منهم الذين يحاولون استمالتى ارضاء لأبى ، و كان أثقلهم من يتركه أبى فى الدكان ويذهب لقضاء حاجته . مرة تبعت أبى وهو يحمل فى يده ما خمنت أنه علبة حلوى ولبان وعسل وسكر وشاى أعنى ما شاهدته قبل وهو يعده ، كنت أجر الخطى خلفه لالحق به ؛ الحت أمى على ثم زوجة أبى أن أطلب لهم الأذن لزيارة جارة رزقت بمولود ، وأن أحضر سكر وشاى وكاكاوية لكى يأخذونها كهدية لتلك الجارة . لهذا ألاحقه وهو لا يدرى حتى دخل براكة كوخ صفيح الرجل الذى لا أحبه و لا أذكر أسمه ، لكن هذا الرجل بالذات - دائما كان أبى يفضله على الآخرين ويتركه فى غيابه بديلا له ؛ الحارس الأمين للدكان . دخل أبى الكوخ ولم أتمكن من اللحاق به ، حاولت أن أتلصص عليه من ثقب الكوخ – وما أكثر ثقوبه – فشاهدت أبى يتأبط امرأة ذلك الرجل والتى تدعى جميلة ، إرتديت مهرولا مثل ملسوع ؛ بدأ لى المشهد غريبا مما يعنى أنه لا يجب على مشاهدته ، ولا الحديث عنه . لكن صمت جدتى بدون مبرر طال ، وغيابى عنها أيضا يطول بين المدرسة والدكان صرت فى حيرة وتلبسنى ذهول طائش ؛ كأنى لم أعد أنا صرت أكبر ، هذا ما أزعجنى فأبى يصر ويلح على أنى رجل ، وما بى مرض لتأخذنى جدتى من هول ما يرتب لى . أين المفر ؟ بزغ الملاذ الجامع ، ففى الكتاتيب الشئ العجيب : ثمة فلقة وثمة عصا غليظة لكن ثمة صبيان ؛ اندسست فى وسطهم كالهارب متسربلا بذهولى طائشا مما يحاك لى ، وبين عصا الفقيه وحفظ السورة برزخ هو سراطى المستقيم الذى ما فلحت فى اجتيازه ، الصبيان يرددون : سلم سيدى سرحنا حط اعظامه فى الجنة ، وقدماى فى وجه السماء تطلبان الرحمة من سيدنا الذى حطنى مطمئن البال - فى جهنم قبل أن ترتاح عظامه فى الجنة . من غياهب الخلوة ومن هول الدكان لم يكن ثمة ملاذ فصرعت بالمرض ملاذى ، عندما لم يكن ثمة مفر ( النمنم ) الحصبة كانت النجاة والمأوى حضن جدتى . أخرج جدتى من غيابها ؛ غيابى ، لفتنى فى بطانية حمراء وذادت عنى ؛ تقاتل المرض متمترسة بالعناية المركزة وبالحكى :
-ياعائشه كونى عائشتين ، ويا ايها الهودج كن هودجين ..
هل كانت بهذا تريدنى نص انصيص ، نص للمرض ونص للجدة ، وهل تقبل بالقسمة ؟.
انقسمت : بقيت اليد التى تحتى لى ، والعين التى خارج البطانية والقدم السفلى وجنبى ما فوق يدى ، لم يكن لى فم ولا أذن ، لهذا لم أقدر على تناول الحساء ولم أحس ما حولى ولا صوت سمعت ، دخلت فى دهاليز كنت ألعب مع نص المرض ( حلت وتحل ) لما وجدتنى فى دنيا النمل والنحل فى طنين ودبيب وكانت الشمس حمراء والسماء والأرض .
قالت لأمى : كل شئ حلو إلا المرض ، وكانت العافية تسرى فى بدنى ، الشقاء نقدر عليه بالعافية ، العذاب بالصبر ، الفقر بالمكابدة والدهر بالمغالبة لكن المرض أمر من المر ، غلاب والله غالب .
ما تعافيت إلا وأنى مخلوق جديد فالشيطان سرى فى جسدى ودم حار يمور فى شرايينى ، كأن المرض أخذ روحى ورزقنى البدن الذى لا روح فيه فهو عطش للإنفلات والتحطيم والنسيان . نسيت من كنت وتحطمت علامات الارشاد التى تعبت جدتى فى نقشها برأسى : اشتريت بخمس ملاليم فخا مصنوعا من خيط حديدى ( تل ) وتربصت بكل طائر ، وبخمس ملاليم مقلاعا كانت حجارته تطال كل كائن متحرك ، ما من دابة تدب على الارض إلا وصارت طريدتى . بخرتنى جدتى وعلقت حجابا جديدا بعنقى فالجن الأحمر لعب فى فراش المرض وسلبنى روحى أو كما قالت ، حينها كان خالى الصغير فرحا بى وبذا وجدتنى لعبته المفضلة .
- أنت ستكون أرجل واحد فى العلوة .
فى البدء طاش عقلى ، أخذنى الزهو وطرت مع كل شيطان رجيم ولم يكن لخالى مكان ولا مطرح فكنت ظله أشاركه فى نصب الفخاخ ؛ نجمع دود الأرض فى الصباح بعد أن أخذت أترك المدرسة لأكون الرفيق : رجل العلوة . عند أول سانية نحط حيث تحط الطيور فرحانة بالغلة ، بعد أن نطمئن على الفخاخ أزحف خلف خالى على الرمل مثل جندى صغير مثابر وندخل من فتحة من سياج السانية ؛ المزرعة الصغيرة المكون من سعف النخيل . نسرق كل ماتيسر من طماطم ، فلفل ، بصل ، معدنوس وفجل أو ماتيسر من غيره من الخضار ، السانية لا تزيد مساحتها عن مساحة بيت جدتى أربع أو خمس مرات لهذا يمكننا أن ننتهى منها فى أقل وقت . ثم نرجع لنعد سلطة ؛ شرمولة كفطور مع خبز التنور ؛ قنان جدتى فطور المدرسة ، اضافة إلى ما يستطيع خالى نهبه من مخبز أبى وهذا كاف وبزيادة ، لكن الحصول على شرمونة لا يتوفر دائما فأحيانا يكتشفنا صاحب السانية ويطاردنا . وهكذا لما نتم اصطياد مانتمكن من طير نعود للبيت مستعدين لفترة العصر للذهاب إلى السوق وبيع محصول اليوم ، هناك فى سوق احداش دكان الحاج فرج الملقب بتاجر الشعب ، الذى يبيع للفقراء زوادة يومهم منتظرا أن يدفعوا ثمن مديونيتهم متى ماتوفرت النقود ، وأحيانا يتبنى اسرة مات معيلها فيمنحها الزاد على حسابه . خالى وجد فى هذا الرجل الطيب الذى يرعى الزاوية الأسمرية كصوفى عتيد ، ضالته فجعله زبون محصوله من الطير؛ يبيعه الطيرين الصغيرين بنصف قرش ، الكبير بنصف قرش أيضا، أما أم بسيسى فبقرش فهو طير مبارك يحج كل عام لقبر الرسول . لما يستلم خالى ثمن الحرية نقودا يطلق الحاج فرج الطير فى الهواء . لكن العصافير الطليقة - لا يعرف الرجل الطيب - قد قصفت أجنحتها ، وأنها له ستعاد ثانية ليقبض خالى الثمن ؛ مرة أنه فالح فقد اصطادها ومرة أنه صاحب حيلة . بثمن الحرية هذا نحصل على تذكرة للسينما إن تيسرت ، أو لمباراة كرة إن أمكن ، أو حتى لكاركوز بازامة ، ولخالى سجارتين ولى زجاجة مشروب برتيللو باردة مثل ماء زمزم . عندما يأتى المساء ألتصق به مخافة أن يتركنى بين يدى الظلام ، ويسرح عنى مع أترابه فى سهرياته المعتادة ، كثيرا ما صفعنى عقابا على خوفى من الظلمة . و مرة أصر على أن أدخل جبانة سيدى اعبيد حينها سربلنى الرعب بطمأنينة المهزوم فدخلت أقانيم الليل مبحرا فى قارب مجدافه ؛ أن لا مخافة فى البحر من البلل ، ومجدافه الآخر أن لا امكانية للتراجع فالسفن قد أحرقها خالى عندما حذف بى من على سور الجبانة إلى داخلها ، وليس بالإمكان تسلق السور الذى بناته عماليق الجان ، والضلع الثالث الخجل الذى أخذ يلكزنى بيده على ظهرى لكى أتقدم فالبول فاح والعار لاح . لكنى كلما تقدمت فى ساحة الجبانة انتابنى هدؤ مريب واجتاحتنى أصواتها ؛ شعرت باختلال فى السمع حيث ليس بإمكان المرء أن يرى يده : ثمة موسيقى فى الجبانة قلت فى نفسى أو نى .. ، لم أكمل فالمشهد إكتمل بفجيعة أن تجسد أمامى شخصان ؛ أحدهما يمسك بآلة موسيقية يدعونها عود إن صح ذلك ، والآخر ينصت إليه ، ثم فجأة : آآآآآآآآآآآآآآهـ فوجدتنى على الأرض : ووووووك .
هكذا انتبه لى الأثنان ، وهرولا نحوى يطمئنانى : ما تخافش ياحميدة أنا جاركم بوشوال وهضا صاحبى الحنش .
فقلت كمن طفا على السطح بعد أن شرب كثيرا من الماء : شنو اديروا هنا ؟! .
عمل بوشوال على تهدئتى فيما حاول الحنش أن يداعبنى بأوتار العود ، أفهمانى أنهما لم يجدا خارج سور الجبانة من يسمعهما فاستأنسا بالراقدين فيها . لم أفهم لكنى استأنست ، ثم أوصلانى إلى جدتى ، لم أنم أو نمت فى حفرة عفريت أغبر وسادتى ثعبان أرقط فقد أفقت أحس الوجع فى أطرافى ورأسى ، لكن جدتى أصرت على دلعى وأنها محاولة سمجة وغير متقنة للتنصل من المدرسة . طبعا تلقفنى خالى وذهبنا سويا لمدرسته ولتعاليمه فبدأنا يومنا المعتاد : الفخ ، الطير، السانية ، الخبز والشيخ فرج والثمن ؛ ساندوتش : نصف خبز ، تن ، هريسة وطنية ( فلفل أحمر مجفف بالشمس + كروية + ثوم ) ، زجاجة البرتيللو ، ولقد كان سخيا معى خالى الصغير هذا . بهذا سرعان ما أنسى صفعات الخال الذى يفضل الليل على النهار ، الليل ستار مغامراته ؛ هذا الستار هو عندى شريط رعب طويل وممل ، لكن ليس باليد حيلة فقد أطبق الخال وأغلق كل مسرب . إنى طير متخبل فى حبائله لهذا كنت أقف بعيدا كحارس - وهو وصاحبته خديجة يجلسان فى حقفة العلوة ؛ الكهف الصغير الذى قال أنه مربط مدفعية الطليان الذى يخافه الناس حتى فى النهار فهو مقتلة شهيرة أيام الحرب والسلم ، صاحبته هذه وغيرها من كنت مرساله لها : بعد المغرب فى الحقفة الليلة ! .
لم يثن خالى عن اصطحابى معه تهديد جدتى ووعيدها ففى الأمر فوائد جمة .
سرق الخال حوائج أمى من ذهب ورداء الحرير وقمجة وأشياء أخر لا أعرفها ، فى اليوم التالى سمعت جدتى ثم أمى ثم زوجة عمى وجاراتنا ، ثم من يترددون على الدكان وفى المدرسة أن عفريتة امرأة تلبس الذهب والحرير ؛ كانت قتلت ظلما من أخيها ليلة عرسها بسب أن فضت بكارتها قبل الزواج ، هذه العفريته ظهرت عروسا تحجل على مسرح أو ربوة الحقفة . لم أصدق ما سمعت لكن لم أعرف لما يصدق الناس ما لا يعرفون . وخالى لم يفطن أنى بهذه اللعبة لم أعد لعبته ؛ نفذت جدتى وعيدها فإذا بأبى يمسك بخالى وبيده سوط سودانى ؛ خالى الذى يخاف أبى قبل السوط :
- جاك بوسوط ونهارك .. قالت ذلك بشماته لخالى الذى أخذ ينقل أكياس الدقيق من بيتنا إلى المخبز ، فى البياض اختفى الخال واستعادتنى الجدة .
فى البدء كان السجن ، تحول البيت لسجن وضاقت بى الدنيا . هدمت بيت النمل ، تربصت بالعصافير والحمام الذى يحط فى وسط الحوش ثم قلبت ترابه ، بالفحم خربشت الحائط وحاولت تكسير قفل باب بوخوخة ؛ الباب الخارجى للبيت ، وجدتى ترمقنى بصبر وتعاملنى بتؤدة مما زاد حنقى . ثم تسلقت الحائط لغرض الهروب لأجدها بالمرصاد ممسكة بعصا زيتون ، فى عينيها شرر لم أره من قبل ، لم أخفها ولكنى شعرت وكأنها – أيضا -
امرأة لم أراه من قبل ، ولأنى أحبها وأريدها وجدتنى فى حضنها أبكى ، ثم فى سبات عميق أرحل ، عندما استيقظت كنت استعدتها .
فى البدء كانت الحرية لهذا سرحت مع قطعان الغيوم ، سبحت فى السحب التى هى كائنات التحول ، وأخذت أفاجئ الجميع تارة عصفور جنة ، تارة كبش ، غزال وفى أخرى كلب. لم يستهوني أحد فى هذه الفترة غير التجسد والحلول فى كائنات السحب ؛ أستلقى على ظهرى ثم أسرح معها وأغيب حيث تغيب ، فيما جدتى تحيك لى الحكايا ، فانيلة صوف بدأ لى أنها لا تريد أن تنتهى من هذه الحياكه ؛ فهى سرعان ماتفك ما أنجزت ، كأنها فى انتظار شئ يحدث ولا يحدث . ووجدت فى مسعاى للحلول والتحول والانفساح فى كائنات السحب مسعى يبعدها عن نفسها فلشد ما يعذبها : الذاكرة مخزن ما مضى ولا يريد أن يمضى والحلم ؛ كانت أحلامها كوابيس . لقد ولدت ميتة قالت ذات مرة لأمى التى مافتئت تعذبها لما قررت أن تعود للعمل كخادمة ؛ بعد أن ضاقت بها الدنيا مرة ثانية : شوف ياحميدة الشغل ولا الهم وتقطيع الوجابى .
لم أدر هل جدتى تكلمنى أم تكلم حميدة آخر مدسوسا فى خزين الذاكرة ، لكنى أكثر من يفهمها ويحس بوجعها ؛ من هذا أخذت تصب على حنانها صبا فهى لا تريدنى أن أكبر مبكرا ؛ وذلك لمجرد كونى بكرى أبى [ الأبن الأول ] ، وأول من يفك الخط فى كل عائلتى . تمترست وراء حاجتها لى ووحدتها لكى لا يأخذنى أبى من طفولتى ، لكن رغبتها الملحة وحاجتها للعمل يعيقانها ويحطمان دفاعاتها ، فهيمن الهم عليها وسرحت مع جيوش الفكر تبنى وتهدم مما جعلنى أسمعها تردد : الولد لا يفيد حاجة ، هو ثقل حمل صغيرا وكبيرا ؛ فى الصغر يفتح فاه للقمة ، وفى الكبر يفتح فاه للكلام والأوامر ، الولد حاجة نحتاجها فى كل وقت ، وتحتاجنا فى وقت ؛ قبل الوعى . ثم تسكن إلى نفسها ، وكأنى أمسيت ثقلها الذى لا تستطيع التخفف منه لأنها لا تريد . أخذت السحب تجتمع وتندمج حتى غيبت الأفق ، فيما تصاعد التراب ليمسك بتلابيبها ، أكفهر وجه السماء حتى اندثرت ملامحها ، كانت السباخ المحاذية للبيت قد تشققت بعد أن سحب الناس - خاصة عبد الملح - بساطها الأبيض ؛ ملحها الذى يتعيشون عليه وتساقط أوراق الشجر القليل بالمقبرتين حتى دفنتا، نامت الشمس عنا ، صارت الدنيا تتدثر بثوبها الأسود مبكرا وكذا تدثرت الجدة وأويت إلى البيت ، وكثرت القطط التى تبحث عن الدفء ، توسط الكانون الدار وزوادة الفحم وأخرج زير القديد من مخبئه . تلبست التجاعيد وجه جدتى وهى المشغولة بإعادة توظيب سطح الدار واغلاق الشقوق بتبن البحر، كانت الحفر تتجلى فى وجهها اشارات غدر الزمان وغبن الانسان أوكما قالت أكثر من مرة ؛ لم تنفع الحناء فى اصلاح ما أفسده الدهر : شاب الشعر ولم تر الشباب مرة ؛ قالت أمى ذلك وهى تحاول التأكيد على بأن أبقى مع جدتى لأنها تحبنى وتحتاجنى ، والحق الذى أعرفه والذى تخفيه عنى : أن أمى تريدنى أن أبقى مع جدتى كى تضطر فلا تعود للعمل .. وخادمة .
من حلاوة الروح : عذوبة الأمومة طلقت الفراش وتركت الدفء ، زحفت لصغاري على الركب حتى دميت ، بالدم رصدتهم وبحجاب الأم حصنتهم وكانت بنغازى تناديني فلبيت مسرعة النداء . من قمينس بلدة النعناع إن جادت السماء وبلدة العطش إن لم تجد ؛ وجدتنى أفر كما يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته ، ويفر ببنيه من جوع أو خوف لأمل وأمنية .كذا كنت أفر من قمينس حيث لاشغل ولا مشغلة ، فقد توفر الماء ، وقصرت اليد عن المحراث فما فى الجب من حب ولا مال ، فتحول الماء لسراب وبنغازى مآب لملئ جيب البطن والرأس وجيب السروال إن وجد . خادمة و لا الموت بالحسرة قلت والخطى تحث إلى المشرق فالصبح لاح ، فى بنغازى بيوت لآل مصراته تجار البلاد أصحاب المال ، وإن لا يقدرون غب الحرب على الحشم قدروا على الخدم . ساعة خرجت وبنى إلى الطريق ، لم يكن فى الأفق حمامة أو يمامة ، لكن الأمل يرفرف فى الأنحاء . بنغازى مدينة مسحورة ؛ الأرض بيضاء فهى سباخ مترامية الأطراف يحدها الأزرق كشبه جزيرة ، فى مرمى البصر جبل أخضر بينها وبينه أحمر سهل من طين برقة الحمراء ، هى بساط والرحبة والقار قار يونس بوابتها الغربية ،كما الربوة ربوة سيدى يونس بوابتها الشرقية ، والأفواه أو الفويهات كما يصغرها البدو – قرى كما كف اليد صغيرة ومبسوطة وحاميات من عثار السفر وراحة من تعب ، هى مسحورة ليس بالأخلاط من أزرق وأبيض وأحمر ، لا باليباس والرطب والسائل ، لا باليم والوعر والسهل ، لا بهذا ولا بذاك ؛ لكن بطلوعها بقعة بقعة فهى مسارب وخلجان يحوطها ماء أجاج ، تحوط الحياة التى تنبثق عنها كما العجب أو ثغاء الحملان ؛ مأوى الذائح والذبيح والفار من سباع الأرض والدهر ، حين هممت بها كان التوق وقد أشعله الأمل دليل الفؤاد وزيت الروح ، طلعت بنغازى المسحورة فجأة عجوزا تتسربل ثوب العجز تطلب وتلح على القعود ؛ هى مدينة الغريب دون نزاع ، تتلبس الروح الشفيفة وتشغف القلب الملهوف ؛ راحة مذاقها ملح وخبزها الألفة ، كالجديد فى القدم حلم وكالقديم فى الجديد ماض ولى ، وكما فى الأرض - فى الخاطر ثمة مطرح لكل أحد حيث كل مطرح ليس لأحد . بنغازى مدينة مسحورة ، قبل أن أجيها عرفتها ؛ فهى طوق الحلم ، وجدت لما لم تكن موجودة ؛ مدسوسة فى غياهب الزمن ، كما هى يابسة مدسوسة فى البحر فهى رطب الحلق عرق البلح ،كما الأمنية ننسجها بالتوق ونجسدها بالمكابدة – هى أليف اللغة لأنها مدينة بشرية ؛ من صنع البشر الذين تحدوا الطبيعة التى حاولت جهدها إخفاءها عنهم ؛ لما حوطتها بالملح والماء ، إنها المدينة التى نصنعها كما نصنع أنفسنا فيها ، هى منحوتة رغبة ونقش شهوة وأيقونة روح وشهقة نفس وتبرعم الجسد وكأس الحياة ؛ هكذا تجلت عن خفاء فهى مدينة نهر النسيان -كما جاء فى كلام الأولين حيث المآب الأخير ، لم تفتح مرة فهى التفتح الأبدى ، فى الخرائط مركونة فى الركن كما البئر فى البيت ، الخيال فى النفس ، المنى فى الجسد والروح فى الكلام ، بنغازى مدينة الحقيقة غائبة عنا فى الوصف والتوصيف ، هى متجر الذهب الأبيض ، و محل المتعقبين من العبيد ، محطة آخر القوافل ، وأول محطة لغارات طير الحديد ؛ حتى تحولت سماؤها إلى غربال من أثر ما أخترقها من قنابل ورصاص ومتفجرات آخر ، من فوق ومن تحت ومن يابس وبحر ، فإنها مدينة الغارات الجوية فى الحرب الأخيرة ، لما كانت أرضها مفتوحة لكل أحد بنغازى ليست مدينة أحد ومدينة كل أحد جمعت وأوفت ؛ جمعت من كل فج أفواج المغتربين وأفواج الحيارى وأفواج الضائعين ، ولكل فوج فتحت مساربها ؛ هى مقر الغرباء ومقام النسيان ، قيامة النفس التواقة وحصير التعب ، مسكن الجن والأنس وما بينهما ، ومنارة ( سيدى اخربيش ) تشى بها للسفن التائهة والبحارة المساكين ، والقراصنة الفارين من أشباح المطاردين وأساطيل الدول العظمى ، لهذا هى بيت شمل يغمر السائح وملاذ الغريق - قال قريتلى : حينما استولى النصارى القريت على جزيرتنا ، وتركتنا فلول الأتراك المهزومة ، فررنا بالأسلام ديننا من عقاب أهلنا الذين عدونا من الخائنين ؛ أوينا بنغازى ، وقال لى قرصان مالطى لما حوصرت القرصنة ومنع البحر عنا كانت بنغازى المأوى ، كذا قال انقليزى وقالت يونانية فتحت خمارة هنا لما عاثت جيوش ألمان وطليان ببلادى وكذا فعل أرنأوطى ( ألبانى ) ، ركن ألمان من تعب – تعبوا من طموح قادة بلادهم وعسفهم – ببنغازى ، وشامى ويمنى ومصرى جاء بهم الترك ؛ فبعد عنهم موطنهم اتخذوا بنغازى وطنا ، وجعلوا منها جمعهم مدينة ولما جئتها سبقنى الكثيرون من أهل البلاد ؛ الفزازنة خبازون وأهل الغرب بناؤن والبدو شيالون ، ومنهم من قدم منذ قدم ؛ فكان أول من أهل الأرض وصيرها مدينة بنغازى الحقيقة التى أوتنى من جوع وخوف ؛ بنغازى المسحورة التى تعطى نفسها لكل من عجنته الصعاب وألف المكابدة ؛ كل عنيد صاحب تغريبة ، هى أرض الملح وفى الملح خبز تخبزه الأيدى من شقاء ، تحوله الروح الوثابة إلى جار أليف فى زرايب العبيد بالصابرى مستعمرة السود والفقراء من قش وبقايا الحرب من زنك وحديد ، وفى السبالة بالكيش نجع فقراء البدو حيث شيدوا بيوتا من الصفيح فتحلقت الحلاليق و البراريك بالمدينة ، وساكنيها الأقدم فى البركة وسيدى حسين اللذين يربطهما بـالبلاد ؛ وسط المدينة، مسرب من اليابسة يجانبه السباخ . حين نزلت بنغازى رأيت بأم عينى أهلها يعودون بعيد الحرب من حيث هجوا فى البوادى والجبل ، كما رأيت أهل طرابلس يهجون عنها إلى دواميسنا بجبل غريان ، عاد أهل بنغازى إليها وقد غدت حطاما وكبرت فى سنوات الحرب فصارت أعجز من عجوز ؛ البيوت دكت وحطامها أغرق الشوارع حتى سدت ، والميناء جبانة للسفن ، والموت يخرج لسانه فى كل درب للسائرين ، وكنا نتخطاه ليس عن جدارة وإتقان بقدر ما هى الصدفة .فى البدء كانت الصدفة هكذا أحببت بنغازى من أول نظرة ، كما ولدت فى غريان من أم إسمها عربية وهى عربية وأب جبالى بربرى يدعى بريبش ، كما تزوجت البشير العربى ، وكما قطعت سرتى فى الجبل الغربى شدتنى سرة للجبل الأخضر ، لأسكن سفحه ، فى هذه المدينة التى ليست كالمدن ، فهى ليست مدينة كما ليست قرية ؛ هى جمع شمل يسكنه النفس قبل الجسد ، ضفة للبر وعنق تشرئب للبحر ، لما أطلت على طلعت الروح راضية مطمئنة ، كان عناق من خرج عن صحراء سرت ، ومن خرج عن البحر فرحا بأنيس ، وإن كان غريبا فبنغازى الغريبة ؛ عن الجبل بعدت وفى البحر سكنت ، إلى الصحراء فتحت يديها للناجين - وكنت منهم رغم كل ما دسه الطليان والأنقليز والألمان من لعب الموت فى شوارعها وعلى ضفافها وفى أحشائها من بيوت وعمارات هدمت ،فى الحضن دستنى وعن القنابل والألغام أبعدتنى وأبنائى ، فى عمارة متهدلة سكنت كما الناس ، فى شوارعها سرحنا نجمع بقايا الحرب من نحاس قنابل متفجرة - بعضها ختل الناس وأخذهم بغته وهم يحاولون تحويلها لقوت يومهم ، وكان تاجر يدعى السوسى ؛ يجمع من الناس ما يجمعون من بقايا الحرب التى آثارها تفعل فعلها حتى بعد زوالها لهذا قتلت الآثار من قتلت وأحيت من أحيت ، وكما شردت أطفالا أغنت رجالا وعهرت نساء ، علمت الصبيان النهب والتسول ، فتحت ملاجئ ومدارس ليلية وإدارة انقليزية ومعسكرات ورأيت لأول مرة أهل المدينة أهلى فسمعتهم يسمون أنفسهم ليبيين ؛ رأيتهم جماعات جماعات : الأستقلال أو الموت الزؤام ، تساءلت عما يحدث قيل يتظاهرون من أجل حرية بلادنا فرحت دون أن أعرف السبب ، وكان إبنى الأكبر فى هذا الوقت يسطو على دارات الأنقليز من ضباط وبعض الجنود الذين قيل أنهم استرال ، وبنغازى تنهض من جب غميق دكت فيه فنهضنا بها . أجرت بيتا بشارع بوغولة زقاق بالروين ، بعيد أن اشتغلت خادمة فى بيت المال عائلة جعلتنى منها لما بينت لهم مقدرة فى التعلم والأتقان ، فى بيتهم راديو وكان أمرا جلل وهلم من كل شئ حديث وجد أيامها ، وهم أغنياء وسط فقراء لكنهم به – بالغنى شغلوا الكثير من رقاد الريح وأوهم من مسغبة ورعب بعد الحرب ، وتميزت فى الطبخ الحديث مكرونة سباغيتى صلصة ومبكبكة ، محشيات بــراك وطواجين لحم وسمك كما فـى الشعبى من بازين ،كسكسى ، رز مبوخ ومطبوخ ، والناس يقتاتون من الموت من بقايا الحرب اقتت من بقايا العائلة التى أخدم .ما بعد الجوع إلا الشبع ؛ اتخمت المدينة بمآسيها فلم تجد وسيلة للحد من ذلك إلا بأن تذهب فى المأساة إلى مداها ؛ بقدرة غامضة تحولت إلى [ الحاضرة ] التى تحضر إليها وتجمع حولها كل معاناة الحرب الطويلة منذ مجئ الطليان حتى دخول الانقليز ؛ مؤتمرات وخطب واعتقالات واجتماعات وسجون ، ومهمتى أن أطبخ القدور تلو القدور فى بيت المصراتى الذى تحول لمضافة لأناس قدموا من درنة ومن طرابلس وفزان ومن مصراته والزاوية الغربية وحتى من بلدتى غريان ؛ يناقشون السياسة والتجارة . وفيه رأيت عجب ؛ رجال وأى رجال متعلمون وآل جاه يلبسون الافرنجى والوطنى : الجرد ، الكاط الملف ، الشنة الحمراء أو السوداء ، يتحلقون حول ورقة يسمونها جريدة الوطن يقرأون ويعلو صوتهم ثم ينصتون لأذاعة لندرة ويتخاصمون ثم يتعارفون ويفترقون ليجئ غيرهم ؛ فلقد صارت بنغازى القبلة وعاصمة إمارة برقة التى أميرها إدريس السنوسى ، لم تنته الحرب قلت فى نفسى إلا لتبدأ حرب أخرى ، لم أر فيها السلاح لكن رأيت الكدر والحيرة ؛ فلأول مرة لا أعرف من أنا ولا من سوف أكون ، اختلط على الأمر وأنا أطلب من ابنى البكر أن يفكر فى الزواج رغم صغر سنه قلت : انبيت البكر ونرتا.. ثم تساءلت أأريده صاحب بيت واسم أم أريد أن اتخلص منه ، أم أنى أنا التى تريد بيتا لكن تخفى الأمر حتى على نفسها . ما أصعب البدايات أى بدايات هكذا داخت بنغازى إثر الحرب ، وفى فترة كأنها خدعتنى ببساطها الأحمدى ، وأنى خدعت النفس وزينت العجوز بما فى دكان العطار ، فقد كشر الدهر عن أنيابها أو هكذا راودتنى نفسى لما وجدت جنيهها المصرى عملتها الجديدة يذوب كما تذوب الأحلام ، ووجدتنى غرباوية يقولها اصحاب السبق فى التوطن بالمدينة ، ووجدت الملاهى الليلية : الريفيرا ونسائها الانجليزيات والايطاليات واليونانيات .. والسينما : برينتشى .. ونسائها المصريات ؛ كوكا وتحية كاريوكا وشارع [ الشطشاط ] قد أخذ أبنائى ، كما أخذ القمار والخمارات أبناء الفقراء الذين استطاعوا أن يغتصبوا القرش بالكد والعرق الأسود من ايام الغصة ، لكن بنغازى مدينة مسحورة فسرعان ما شمرت عن ساعدها ودارت فيها الطواحين غب أن حصد الزرع الذى عاما عن عام يكون صابة ، فتزوج البكرى إمرأة مدينة ، وفى ريقى ذابت بنغازى وكنت أذوب فى حلوى بر الترك التى يصنعها كانون ، سحت فى الزلابية والمخارق والسفنز ما تعلم إبنى الوسط خليفة صنعه ، غاصت قدماى فى السبخة وكأنى مرصودة ، تشبت ببنغازى فأخذنى وجد ، طلقت الرجال ورضيت بها حامية وظل ؛ مدينة الشرق الحاضرة التى ليست من ولا كـ المدن فى شئ . دخلت سوق الظلام والأيام أيام شهر رمضان حيث بنغازى تسهر على غير العادة حتى منتصف الليل ، وإذا بعينى يخرجان من وكريهما ، لم أتخط فيما مضى عتبة الصابرى الذى عندى هو الدنيا لهذا كثيرا ما رددت مع صبيانه : الصابرى عرجون الفل ، الصابرى عمره ما ذل الصابرى ورد وياسمين ، الصابرى زين على زين ، لكن هذه الليلة وقد توغلت في سوق الظلام تكشف لى نور ما رأيت من قبل ، ولا لمخيلتى القدرة على تصور مواشير الضوء التى تغطى سوق الظلام أو تمخر سوق الجريد وشارع بوغولة - مدخل السوق ؛ حيث ليس بإمكان أية غولة أن ترتع فالنور بساط وغطاء ؛ النور كاشفها ، رأيت الذهب ؛ ما يخلب الأبصار وتهت مع الدلال .. أخذتنى القمجة بألونها الزاهية ففيها تبينت نساء خراريف جدتى يتمخطرن بدلال فى باحة المخيلة التى تدفقت كالماء متفجرا عن ينبوع ، أثارها اللون الارجوانى فى القفاطين النسائية ، ألتف برأسى حيثما وجه أبى نظره ، لم أكن معه وهو يشير إلى بعض ملابس الاطفال التى تصلح للعيد الصغير عيد الملابس ؛ لقد اكتشفت بنغازى مدينة جدتى المسحورة وبدأ لى أنى عرفت مخزن حكاياها ؛ أسواق : الظلام المضئ كلؤلؤة ، الجريد الذى يغطيه سعف النخيل ، وشارع بوغولة الذى ولا شك مكمن ومسكن الأغوال حيث المسرح فى الزريريعية مرتع الاهوال التى ظهرت لى الآن أنها السفح الأخير للدنيا فهى ربوة من الرمل نهايتها سبخة ، شغفت منذئذ بـالبلاد ؛ وسط بنغازى وبالفترينات ، رغم أنى لم أر غير اسواقها التى تزدحم بالرجال والصبيان والشحيحة فى البنات مع أنها تغص بلباسهن ، هكذا عرفت بنغازى لأول مرة وشغفت بها وكان ظنى أنها مدينة عجوز من صنع سرد جدتى ، فى هذه الأجواء المسحورة وجدتنى بين يدى أبى وهو يشلحنى ملابسى لأقيس بدلة العيد التى اختارها لى ، هى بدلة ضابط مثل بدلة الضابط ناصر الذى يعلق أبى صورته على حائط المربوعة ، ووجدت الشائب صاحب الدكان يعطينى التحية العسكرية ، دفع أبى الثمن وعاد بى للبيت مزهوا ، لم أنم تلك الليلة فى انتظار العيد الذى جاء الصبح ولم يجئ . لهذا حزنت وانغمست فى وحدتى حتى أخرجتنى جدتى معها غصبا فى زيارة لجيران قدماء يسكنون حى دكاكين حميد هناك انغمست مع صبى يدعى بشه فى اللعب ، وجدت عنده ألعاب صنعت من علب الصفيح الفارغة التى ثقبت وربطت بخيط على أنها خيل تجر عربة مصنوعة من خيط معدنى ، عجلاتها من علب حليب وردة ، كارنيشن الفارغة ، أخذت عربة وهو كذلك وفى سباق محموم أخذنا نجرى ونجرى مغنين : كارونا غلب كاروكم .. هاتوا الشيمة ونكروكم .
العربات محملة ببضائع مكونة من أشولة الرز ، المكرونة ، الدقيق ، السكر وصناديق الحلوى وعلب التن والسردينة ، كانت الخيل تلهث من ثقل الأحمال والسرعة وكذا نحن نلهث ، نضرب الخيل بالسوط ، نجرى حفاة . لما سبقته إنقلب كاروى ، تبعثرت أحماله وتعثرت خيلى ، سقطت على الأرض فسبقنى بشه جذلانا على أجنحة الريح ، إبتعد كثيرا وشدتنى الخيبة إلى الارض ؛ إنساب ثقل فى قدمى وزادت نعومة رمل البحر فأغوتنى بالقعود ، غلبنى سلطان النوم توأم الخيبة فذهبت معه بعيدا ولما تركنى وجدتنى وحيدا بعيد أن أخذ الشمس رفيقة بدلا منى ،غطى الرداء الاسود الدنيا ؛ نستنى الخيبة فتذكرنى الخوف ، تخبطت فى محبسه وحيثما لذت وجدتنى فى مكانى مربوطا كما خيلى مربوطة لـلكارو . حينما تعرفت على حبسى ساعتها أدركت ؛ أن الساكن على البحر مرمى بصره هول ، تحته عجين الظلمة ، مصيره بين يدى إمرأة لعوب أو كما تقول جدتى عن البحر وأن بنغازى ابنة لهذه المرأة . لا جبل يأوينى ولا جدة ، حين هممت بالخروج عن مكمن المتاهة هذا طلع [ الشخص ] الذى يطول السماء ؛ شنبه الليل مشوب ببياض ، عيناه مجمرتان كـكوشة الجير الموقدة ، أنفه كهفان مخنان ، الصوت بحر هائج مبحوح ، ذراعاه خرطوما فيل ، أصابعه أحراش غابة ؛ أخذنى بخنصره لحسنى بلسان عشرة خيول : - لقد وجدته بحذاء الشاطئ قرب القصباية لكن بعيـدا من بئر الكلبة ، ستر الله لم يدخل البحر قال أبو بشة لجدتى وهى تمسد شعرى وترتعش .فى تلك الليلة زارتنى بنغازى التى عرفت مؤخرا ؛ وجهها تجاعيده تشع بنور يعكسه الملح لما تشرق الشمس ، فى عينيها بحر والأزرق يلبسها مسدتنى بيديها الملائكية ، فى صوتها جذل ونغم ناعم وحاد كملح الطعام . غمرتنى بطيبها وهى تدسنى فيها حتى سرى الدفء فى المسام ، أخرجتنى عنها كأنها ولدتنى من صرتها أو فمها ثم دست أصبع محنى فى صدرى فرأيت قلبى وقد أخرج من جوفى معلقا على اصبعها ، غسلته بلعابها حتى تراخا ثم نفخت فيه فانبثق دم جديد فى عروقى ، مسدت الصدر فالرقبة فالوجه وقبلت عينى : ياحموده عينك سوده .. قلبك شمس بما مطروده . أخذت تهدهدنى فى حجرها شغلت بى وشغفت بها ، قالت ولدت من ماء كما أنا ، عشت فى ملح هو خبزى ؛ قبل أن يتزوج أبوك أدم حواء غرم زيوس اله الالهة بتانيت الالهة ليبيا وتزوجها فرزق بى ، ولدت من أخلاط الأفق واليم والطين فكنت ملح الارض وماء السماء ، سميت هسبيرديس ودللت بـ ( برنيس ) ، لما ولدت - فى اسبوعى فى لمة عقدتها أمى رددت أغنية نسجها الشعراء من خصلات شعرى الذهبى : أيتها البطلات ، يا أطفال …إيو . ياحورية الماء وعروس بيسدون ، لا يليق أن تقف الفتيات أمام المغازل ، كى ينسجن ثوب هيرا الطاهر ، قبل أن يجلسن فوق الصخرة المقدسة التى يسيل حولها ماؤك ، ويصببن ماءك فوق رؤوسهن . سلاما يا أقدم منازل الحوريات ، تدفقن بالمياه أيتها العذارى . برنيس الاحلى مذاقا من رحيق الازهار .. ومن أطيب الطعام ، انك لتمرين باللسان أحلى مذاقا من الخمر الجديد المنعش . بهذه المناسبة قدم بوسيدون لقورينا القوس الذى صحبها أبدا مصحوبا بهذه الكلمات : انظرى يا قورينا ، أتقدم اليك بهذا البوق وهذه الجعبة ، وأما السهام فيملكها أهل هيسبيرس . وكذا ولدت أختى قورينة العذراء ( الفتاة ذات الأيدى الناعمة التى كانت لا تميل إلى الغزل ووداعة البيت ، ولا إلى المآدب والحفلات التى تشارك فيها أترابها من بنات القصور ، ولكنها بأسلحتها وسيفها البرونزى تقتل الوحوش الضارية وهى تصارعها حتى توفر لماشية أبيها الدعة والسلام ) كذا قال فيها الشاعر بنداروس ولذا لم تحب الرجال ، شغفها سبع البر ، هى صائدة السبع . ولما لم تكن تحب الرجال أحبت أن أشبهها : من شبه أخاه فما ظلم ، قالت ذلك وهى غضبة منى لما شعرت بميلى لأله البحر سبيدون الذى تربع على عرش الماء وسيد أقوام البحر الاخضر العظيم ، سلطت حب أبى لها على فغضب منى ودسنى بساطا تحت جبل مما زاد غرامى الذى كان زوادتى فى محنتى فأخذت أتسلل كبساط الريح ، سهلا للبحر ضمنى حبيبى اليه وإن لم أستطع الفكاك من المخبأ الذى دسنى أبى فيه ؛ كنت في البحر وليس فيه وكنت من البر ولست منه . ثم قالت بنغازى : انى ابنت خصلة الشعر المقدسة ؛ عجينةغريبة تتشكل بالمد والجزر وآخاني القمر ، هل شاهدت مرة فى صورة القمر تلك المرأة تلك هى صورتى ، ثقبت قورينا السماء ومن تحت أقدامها نبع أبولو ، استقر بها المقام فى الجبل الاخضر وازاحتنى بعيدا عنها محاطة بعرائس الزعتر صارت مدينة السلفيوم النبتة التى هى دواء كل داء ؛ ولذا هى مدينة الجسد فيما كنت بيت الروح التى تجلت فى الخفاء كما أراد زيوس ، لكن السلفيوم الذى يشبه التوت وفى حلاوة تمر النخيل ينسى شاربه حب وطنه وبنيه ؛ لهذا جعلت بساطى مثوى كل تائه عن نفسه وغريب عن أهله ، فكنت المدينة الوحيدة التى تعرف كيف تشفق . لم أطق صبرا فأشفقت على فضولى وأخذتنى فى ردنها ثم سبحت بى فى أعالى الزرقة ووجدتنى فى نهر الليثون – الجخ – الجوفى ، هناك فى كهف عميق تحفه المياه يمتد فى باطن الأرض مئات الفراسخ ويتسع فى أماكن عشرات الفراسخ ، به ثلاث حجرات متصلة الأولى درج ترتقيه صعودا والثانية هضبة مسترخية فى نعومة الرخام والثالته قمة . هناك أشارت لى بأن هذا هو مصب نهر النسيان وهناك التقينا أحد الرجال يهيم فى ذهول عن كل شئ ؛ حتى عن نفسه ، لكنه لما رأى بنغازى بدأ وكأنه فى رؤيا ، أخذه شطح رجال الحضرة ثم سمعت الدفوف ، ورأيت الهسبيريدات حارسات بستان هيرا – أو كما قالت لى بأنهن سيدات المساء الذى لايأتى دون اذنهن بعد أن تتوارى التفاحة الكبيرة لتظهر خصلة برنيقى خصلتى ، فى هذا الآن أخذ الرجل الصرع والهذيان فقال مما قال : يا سيدتنا برنيس إنى الشاعر المجنون ؛ مجنون قورينا التى جعلتنى فى نهر النسيان أنسى نفسى ولا أنساها .ثم صلى بين يدى بنغازى فقالت الهسبيريدات : هذا كاليماخوس القورينى العاشق قورينا وأخواتها ومن تغنى بخصلة شعرك يا برنيس الاحلى مذاقا من رحيق الازهار ومن أطيب الطعام ، والتى تمر باللسان أحلى مذاقا من الخمر الجديد المنعش . ثم وقف كاليماخوس هذا وقفة ضاقت فيها العبارة وهو يهذى : وبعد أن رنا كونون ببصره يتفحص أجرام السماء ، والنجوم السابحات كل فى فلكها ، عثر على ، أنا خصلة برنيقى ، التى وهبتها للآلهة جميعا ، وها أنذا أتحرك فى الفضاء .. لقد أقسمت برأسك وحياتك .. وارتفع سليل ثيا إلى ملأ أعلى خفاقا لامعا مثل مسلة والدتك أرسينوى [ تيوكيرا ] ، وأبحرت سفن الميديين المدمرة متوغلة وسط جبل آثوس الذى سيسمى فى قادم الايام الباكور. ما حيلتنا وما عسانا نفعل نحن خصلات الشعر ، إذا كانت مثل هذه الجبال تذعن لجبروت الحديد ؟ . يالغيظى ! من كشف عن ثمرة الأرض الشريرة هذه ، وعلم الناس فن الحدادة . وبمجرد أن جززت أنا خصلة برنيقى حزنت على شقيقاتى . وحرك النسيم الرقيق ، زفير شقيق ميمنون الأثيوبى وابن الفجر ، أجنحته فى الحال فى حركة دائرية ؛ فاندفع حصان أرسينوى ، ذات النطاق القرمزى . وأمسك بى بأنفاسه ، ثم حملنى عبر الهواء الرطب ووضعنى بين أحضان دارنيس . لقد اختارته أرسينوى ( أفروديت زيفوريتس ) التى تسكن على شاطئ برسس ، بنفسها لهذه المهمة .وهكذا لم تعد العروس المينوية ؛ من أحبها ديونيسوس وأقام لها تاجا من النجوم تبعث بنورها على العالمين وحدها ، بل أننى أيضا أنا : خصلة برنيقى الجميلة ، قد أصبحت إحدى النجوم العديدة .
وبعد أن اغتسلت فى مياه أوقيانوس ، وارتفعت على مقربة من الخالدين ..
وضعتنى دارنس نجما حديثا بين النجوم القديمة ..
بعد أن تقدمت إلى أوقيانوس فى فترة متأخرة من الخريف .
ولكن ما كانت متعتى بهذه التكريمات تفوق الحزن الذى يجثم على صدرى لحرمانى من ملامسة ذلك الرأس الذى رشفت منه عطورا كثيرة عبقة عندما كانت برنيقى لا تزال بكرا ولكنى لم أمتع بعطر المر ، العطر القوى فى شعر المرأة المتزوجة .
دست جدتى يدها فى صدرى وهى تمسح العرق عن وجهى ورأسى : لقد تأخرت هذا اليوم أيضا عن المدرسة ، وإن لم تفق مسرعا فسوف تجلد من المعلم مرة أخرى ،كنت أسمعها لكن الذهول شل جسدى عن الحراك وأحس أن ليس لى جسد ؛ لم أعرف كنه نفسى هل أنى حى وبإمكانى أن أفيق وأذهب للمدرسة أم أنى روح تهيم وأن جدتى روح تداعبنى ، لم أفق من ذهولى فى الفصل فقد سرحت فى مراعى المخيلة ، جست أعشاب الأحلام وسمعت ثغاء الاوتار ثم نفخ بوق الروح لما هزنى معلمنا السحاتى هزا ، وهو يواصل حديثه الذى لم أفقه منه غير جملته الأخيرة : كما قلنا فإن الجخ الكبير يقع فى بوعطنى ، ويقال أنه مجرى جوفى من نهر النيل ، مش هكى يا تلميذنا النائم ؛ قال ذلك صافعا رأسى بباطن يده ثم أمرنى أن أقف بجانب السبورة وأن أرفع يدى وأقف على رجل واحدة حتى إنتهاء الحصة ، جلدنى بعيد ذلك خمس جلدات بعصا الزيتون على باطن يدى ، لم أبك لكنى أخذت أنفخ يدى من الألم . فى فترة الإفطار علمت من زميلى محمود العرفى أنى قد سئلت المعلم عن الجخ ثم سرحت وهويجيبنى مما أغاظه ، فى الأثناء جأ زميل آخر يشحت قطعة من سندوتشاتنا ؛ وهو ولد فقير يأتى بإفطاره من البيت ، هذا الأفطار عبارة عن قطعة بائته من خبز التنور محشوة بما تبقى من عشاء الليلة الفائته الذى قد يكون بازين ؛ عصيدة ، حين رفضنا أن نعطيه ما يطلب قال سوف تظهر فيكما الشوفة ! ، لم أكن أعرف ما هى هذه الشوفة ، لكن الغيظ الذى يسكننى من ضرب المعلم لى جعلنى أدخل معه فى عراك إنتهى بإن حصلت على [ طريحة فلقة ] من المشرف حمد ازواوه بعد أن أذن له الناظر فتحى الجدى بذلك ، كانت تلك أول وأخر فلقة لى فى المدرسة ، وقد هربت من الجامع خوفا من هذه الفلقة ؛ لهذا وجدتنى فى غضب وغيظ شديدين من المدرسة ومن بنغازى ومن جدتى ، حتى فكرت فى الانتحار أو أن أدخل الجخ لكى أنسى كل شئ ؛ أكون روحا هائمة دون جسد وألم وخزى . عدت للبيت أفتش فى بعض المجلات التى حصلت عليها من ابن الجيران الذى يكبرنى ؛ مقابل كورة البلاستيك ، وقد أحضرها لى خالى الوسطى وهو كثيرا ما يحضر لى الهدايا ، أخذت أفتش الصور فى مجلة سمير و تاتان و سندباد عن طريقة يمكن لى من خلالها الذهاب إلى الجخ ؛ نهر النسيان ، ثم انغمست فى تخريج الحروف وقراءة ما هو مكتوب علنى أحصل على ضالتى ، نسيت نفسى فى نهر الأحرف الذى غمرنى حتى لم ألب دعوة جدتى لى بأن أترك الكاغط وأقوم للغذاء ، كنت أحس بالشبع ومع كل صفحة أقلبها أجدنى فى حبور فلقد اكتشفت طريق الجخ ، وجذبنى حديث مسهب مع الرسومات . رحلت مع سندباد حتى أخذنى سلطان النوم إلى أقانيمه ؛ وبعد أن عاش يوديموس على الملح عيشة الشظف ، ونجا من عواصف الديون الهوجاء ؛ أهدى إلى آلهة ساموطراقيا حماة البحارة مخزن ملح ؛ وقال : " أيها الناس ، إنى أتقدم بهذا بعد أن نجوت من حياة الملح فهكذا نذرت وها أنا ذا أوفى النذر " . هذا ما قصته بنغازى على وهى تخرج بى من نهر النسيان فإنتابنى جوع شديد عندما أفقت شممت رائحة الخبز كانت جدتى ترمى الخبز فى التنور لما انتبهت وقد مددت يدى فى فوهة التنور الذى ناره تضئ بقوة وجهى ، أخرجت الرغيف وقد شل الذهول جدتى : الخبزة حامية تأكل لهاتك ، لكن لم أعر تحذيراتها اهتماما فقد التهمت الرغيف فى لمح البصر قالت : الجوع كافر وهى تغمس نصف رغيف فى زيت الزيتون وتعطيه لى ، وعدت بعيد ذلك على عجل إلى بحر الحروف ، سبحت فى ملكوت الرسومات وفى مركب سندباد أبحرت . البحر هائج والأمواج تخرج ألسنتها وترفع هامتها فتطول الغيوم التى تتراكم كحصير أسود يسحبه البر نحوه ، الرذاذ يثير شهوة الارض إلى سيلان الغيم التى يطير المركب على أجنحتها وتمتد أجنحتها فيغطى ظلها بحيرة تريتنوس ؛ بحيرة تريتون المعبود البحرى ابن بوسيدون من حبيبته وملكة البحر برنيكى ؛ برنيقى . كان تريتون يمد نصفه الاعلى الذى على شكل انسان فى السحب التى غطت بحيرة السلمانى لما كان نصفه الدلفينى يضرب شواطئ جزيرة جليانة حيث حدائق الهسبريدس : اللوتس ، الرمان ، العنب ، اللوز ، المشمش ، الزيتون ، والتفاح الذهبى الذى أحاطه حارس الحديقة أطلس - المشغول بسند الارض - بسور من الماء ما يصعب اجتيازه . لكن بفضل حذق سندباد وبحارته من الجن ومركبه هيكل حوت سيدنا يونس اجتزنا السور وكثبان الماء ، من اليم أقمنا جسرا كان كتف تريتون ، بحبال الأفق استعنا ، خلف جذوة تشعل فوق الماء نارا توارينا ، و بعربة الهسبييريدات الثلاثه قفزنا هواء ؛ سوانى عصمان . من قلب جليانة خطفنا التفاحات الذهبية ، فإلى البحر ولينا بالمركب وفيه خضنا ، والصعاب الاثنتا عشر إجتزنا لما جعلنا الملح ؛ ملح كوية الملح : بنغازى حصننا وتعويذتنا ولبيسيدون قدمنا القرابين فحمانا من غضبه وعلى الشاطئ الشفقى شاطئ تريتونس حطنا وهو يتغنى : يوما ما يا تيتانوس ستتعرى شجرتك هذه من تفاحها الذهبى ، بيد أحد أبناء برنيس . هكذا تنباء اله النبوءات نيريوس ، وهكذا كان فإبن الغدران المنبثق عن سباخ كوية الملح قد حاز على التفاحات الذهبية فى الرحلة الثامنة التى لم يدونها أحد ؛ لأن ريح القبلى قد أخرس القلم لما انتصر فى حربه على قبائل الليبو ومحاهم من الوجود ، كما غمر نهر النسيان البلاد فغدا كل شئ له بداية جديدة .كذا قالت جدتى وهى تحاول أن تخرجنى من يم الورق وبحر الرسومات وأمواج الأحرف : أن بنغازى نهضت من جديد وكأنها لم تكن قبل – غب الحرب وجدت المدينة تنهض على أكتافنا ؛ لقد غزلنا شوارعها على نول التعب اليومى ونسجناها بالكدح ومن صوف البحر ألبسناها ثوب العرس ، غدت بنغازى فى كل صبح تنهض على مبنى جديد ، وفى الميناء وجد الكثير من أبنائنا الشغل فبعنا الملح ، واشترينا الخبز الذى شيدت له الكثير من أفران القش والحطب والافران الحديثة ،كان أبوك أول من فتح مخبزا حديثا فى المدينة ، وكأنى بها ، وهى المدينة الحديثة وكذا أهلها ، حبت كل جديد بالقبول والحبور . ساعتها كنت أشعر بالملل من حكاياتها المكررة وأنها لا تعرف ما عرفت ؛ بدأ أننا على طرفى نقيض فلقد أخذت أفك الرموز ومن الحروف إلى الكلمات ، وهذه الرسومات تستعصى على جدتى التى لا تستطيع ما أستطيع ؛ ذاكرتها من الرمل الذى يسفه القبلى سفا وذاكرتى بين يدى خطوط وأشكال مطبوعة على ورق هو فى قبضتى ، أخذتنى العزة بنفسى وأشفقت على هذه العجوز التى تهزها الريح والتى كثيرا ما تنسى فتعيد الحكى مرارا وتكرارا ، لهذا لم أذكر لها ما ذكر لى خالى الصغير بأنها عجوز خارفة ! لم أكن أعرف يقينا ما الذى يعنيه ذلك ، لكن ما بدأ لى أنى أكتشفه فى عالم الورق وخرائط الحرف ودنيا الكلم فيه جدة ، ملئ بأسرار لا تعرفها ولا تستطيع أن تعرفها العجوز الخارفة ! . هكذا بعدت بيننا المسافات ، هكذا وجدتنى أحب أن أكون فى دكانة أبى ؛ لا لشئ إلا لأتمكن من اختلاس بعض القروش لكى أشترى من إبن الجار الصفرانى مجلات ميكى وسمير وسندباد وغيرها ، وأدعيت أمام مراقبة أمى ومحاسبتها لى على مصدر النقود التى فى جيوبى ، بأنى أبيع للأولاد ما أحصل عليه من خالى من ألعاب وحلوى ومستكة السبع التى يحضرها لى بكميات زائدة عن حاجتى ، ولأنى أمنحها ما يزيد عن هذه الحاجة من النقود صدقتنى ، فيما كانت جدتى تجد فى هذه المجلات مضيعة للوقت لأنها تشغلنى عن دروسى ؛ لأن ما ليس من دروس المدرسة هو مفسدة مما زاد من عنادى ومن بعد المسافة بيننا ، فيما حسنت علاقتى بمعلمنا السحاتى الذى أخذ فى تشجيعى على قراءة تلك المجلات ، وفى الإجابة عن أسئلتى التى انهمرت عليه دون كلل . فى هذا الحال جلب أبى لبيتهم غزالة وضعت خلف سياج ، قيل أن صديقه على الحصان اصطادها من البر أو الصحراء ، طار عقلى وجننت بهذه الغزالة ولم أرد ولا أرغب فراقها ، أخذت أحش لها الحشيش : العشب من الجبانة ، ومن نقودى الصفصفة ؛ البرسيم وكل وقتى وجهدى مكرس للعناية المركزة بالغزالة ،لم أفطن حين عدت لبيتنا قبل أن ينتهى اليوم الدراسى كعادتى منذ جيئ بالغزالة ، لم أفطن لأبى وأمى وحنى ؛ زوجة أبى وهم يألونى عناية لم أعرف من قبل ، ثم لحم الشواء الكثير الذى كانوا يلحون على أن أكله ؛ حتى أكتشف أنه لحم غزالتى التى قيل لى ولم أقتنع أبدا : نطحها الكبش ؛ كبش العيد اللعين الذى جيئ به قبل عيد اللحم بكثير لكى يمقرسوه ؛ يسمن فى البيت . ووقعت من هول ما عرفت ؛ تقيأت ما أكلت وإنى أكلت لحمى /كبدى ومزقت روحى ، سرت الغزالة فى العروق فأخذنى ثغاء ثم بعبعة وحمى دم الغزالة ، نبحت على كلاب السبخة وعضنى كلب السوق وقد فررت لصحارى جففت ريق السموات والارض ؛ شمسها . الملح فى سفح بنغازى يبس الدم وجلط الحلق وبنغازى سبخة ولود للكلاب الضالة ، ليلها سكاكين ونهاراتها قائظة ، لما فررت منها غصت بى سبخة السلمانى جبانة ما نفق من حيوناتها والطريح من حملانها وفرث ودم مجزرتها زوادة ملحها الذى لا يشبع ، كشرت بنغازى عن أنيابها وضاقت بى فلم أجد غير صحاريها بسلوق ملاذا أو مثوا ، كنت أعدو والزغب بين أنيابها و الكلاب تنهشنى ، وماؤها الملح الأجاج الذى كنت شربته فيما خلى من الايام يخض فى ركبى ويثقلنى ، لم تكن مدينة ولكن سور يعقبه سور ؛ من فم السور وجامع الموتى تملصت ، من بين براثن حلاليق الصابرى والسبالة والكيش قفزت ، عن جبابين سيدى عبيد وسيدى داوود والنصارى واليهود حذت ، ومن الخوف اجتزت حقف الماجورى التى منها يخرجون الطوب وحفرا لعابرى السبيل وعششا للفقراء الضالين والقزازين ؛ اليتامى الجائعين ، والشاذين وسارقى الاطفال والمقطوعين من شجرة الذين لا مأوى ولا أهل لهم ، حيث يذبح الرجال بعد سلبهم مالهم والنساء اللواتى سلب شرفهن ؛ فضت بكارتهن دون زواج على سنة رسول الله وآله ، كنت أعدو من حفرة ومن سبخة ومن سور ومن من ضل السبيل وكانت بنغازى العجوز بالمرصاد . لم تنفع ابر بنسلين سى محمد الطيب التى جعلتنى أتردد فى اليوم مرتين على مستوصف بوخيط ، لا الحجاب الذى كتبه فقى الجامع الشركسى ، لا أوراد الشيخ البهلول ، لا ماء الفجعة الذى ترك فى مواجهة السماء سبعة أيام ، لم ينفع كل ذلك فى اقتلاع حمى الغزالة التى جعلتنى المحموم النهار والليل ، حتى اقتلعتنى جدتى من بيت المذبحة ؛ بيت الدم الذى كنت أغوص فيه كل الوقت ، أعوم فى عرقى وأبلل فراشى ببولى ، ومن فمى الاصفر الكركمى المائل للأخضر أحيانا المشوب تارة بالاحمر وتارة بالاحمر القانى : دم الغزال .قالت جدتى أنى مصاب بعين وأنها سوف تقتلع تلك العين . فى عين زيانة فى القدر أى وسط البحيرة ؛ انزلت سبع مرات عاريا عند خروج الخيط الابيض من الخيط الاسود ليغمرنى الماء والزمهرير عبث بجلدى حتى لبستنى الزرقة ، ثم فى ليلة دون قمر ؛ كذا سبع مرات غمرنى ماء بحيرة بودزيرة ، لفحنى البرد وتلحفنى الصقيع ، لم تقتلع العين وإن قلع جلدى فسكنت الحمى جسدى تستيقظ كلما هبت ريح الشمال أوغص فى حلقى كلام .فى الايام التالية سكننى التعب ولبس الجزع جدتى وقطع خيط الكلام وتوسد أهلى الترقب ، لم ينفع معى النبيذ والخبز واللحم كما نصح البسونى مربى الخيول أبى للقضاء على الهزال الذى جعلنى هيكل عظم موحش ،كأن ملح بنغازى يأكل لحمى وينخر عظامى ، لم تنفع حلوى بر الترك التى يحشونى بها خالى خليفة حشوا . نسانى الجميع يأسا فى تغير أحوالى بعد أن تردد على بيتنا الدكتور بردوشومو عديد المرات ، لم أقو على الوقوف وغص حلقى بالكلام كما غصت جدتى بالحكايا ، لم يكن فى الافق غير طير الموت يحوم قرب سقف البيت الذى فيه المرة تلو الأخرى ، قرأ مشايخ الطريقة العيساوية والعروسية أوردتهم ثم اقيمت حظرة وذبح تحت قدمى قعود ، وفرق لحم الجمل الصغير على الفقراء والمساكين وكان جل سكان المدينة كذلك ! . وقت يأس أهلى من يأسهم اختلفوا حول سبل علاجى : منهم من يرى أن السفر لمصر وعرضى على الاطباء ؛ حيث الطب فى مصر متطور نتيجة لمجهودات الزعيم ناصر ، منهم من يرى أن السفر يكون لمقام سيدى عبد السلام الاسمر فى زليتن ؛ جدى الاول الذى جلب عسيلة المسلمة من خاطفيها فى بلاد الكفر/ النصارى ( روما ) ، وقد جلبها على كفه بقصرها وهى نائمة ولما كنت أحد أحفاده فإنه لن يقبل بغيره طبيبا . كانت الكوليرا قد دقت الابواب فى البلاد وازدحم الناس على المستوصفات والمستشفيات لأجل التلقيح ضد هذا الزائر الغير مرغوب ، لهذا حشدت كل المجهودات لرد كيده ، أخذت لألقح مثل كل العباد ونسي هزالى فالهلع المسمى هذه المرة الكوليرا عم البلاد الفقيرة وجعلها فى هزال ؛ وكانت قد هلعت من الجدرى الذى أخذ فى زيارته أثناء الحرب الكثير من الاطفال قبل أن يرضى بالمغادرة ، وجدتنى أنهض مع الناهضين وحس من التحدى سيطر على وروح المغامرة انبثت فى جسدى ، سحت بين الناس حيث وقفوا طوابير ، فى زحام وعراك لدك كيد المرض الذى جاءت من كل الدنيا ؛ فرق طبية : انجليز ومصريون وطليان للمساعدة فى التلقيح ضده والمعالجة منه ، فى وسط الحشود والجزع والمرض استعدت عافيتى . عمت فى بحر ظلمات وشربت عرقى ، أكثر من مرة جرفتنى أمواجه حتى انتشلتنى يد ناعمة مخملية ؛ كان ربى الذى يشبه صورة الملك ادريس المعلقة فى مكتب ناظر المدرسة ؛ وهو ذو لحية بيضاء كثة لها ملمس رداء جدتى الحريرى الذى تلبسه حين تنوى المشاركة فى عرس ، عيناه سودوان ، يلبس نظارة دائرية صغيرة جدا وكاط ملف زيتى وطاقية دم غزال بشنوارة ، فى يده مسبحة طويلة مسد شعرى وأخذنى معه حيث سيدنا اسماعيل أمسك الكبش الذى استكان له ، وعلى رقبته مر بسكين فذبحه دون أن ينزل منه دم ، ثم رأيت أبى انتابنى جزع لكن ربى هدأ من روعى وهو يمنحنى السكين ؛ فوجدتنى بليونة أذبح أبى الذى مد لى رقبته فى هدوء جعلنى أتم الأمر بسرعة . ثم وجدتنى فى الجنة هناك لقيت أخى بن عيسى الأشقر يبكى وهو يصغرنى بسنتين أوأكثر ، مات على أثر حادث : سيارة كيول حمالة الحطب داهمته فى داخل الدكان ؛ كنت ألعب معه حين دخلت السيارة الدكان وصدمت أخى فوجدت فى ردنى دماغه ، ومن هول ما حدث أجبت أبى الذى كان يصرخ من خارج الدكان بأن لم يحدث شيئ ، وفى المسار ؛ أى اجتماع قبيلتنا بقبيلة السائق التى جأت لدفع الدية قيل أن السائق البدوى لا يحمل رخصة وليس بسيارته فرامل ! . كان أخى يبكى فى مأوى الملائكة من الوحدة ؛ أشفقت عليه وأنا أقول بأنى مضطر لتركه حيث سوف أذهب مع خالى إلى البوسكوا : حديقة الحيوانات ، فودعته على عجل . صباح اليوم التالى الجمعة عطلة الاسبوع من المدرسة أفقت مبكرا ، على غير العادة وجهزت نفسى للرحلة لكن خالى رفض أن يستيقظ ؛ الظلام يعم كل شئ رغم الصبح ، العجاج غطى وكسف الشمس وبالتالى ليس بالامكان الخروج من البيت . أخذت فى البكاء أريد أن نذهب لم يستطع خالى الذى صفعنى على وجهى إسكاتى ، فخرج بى رغم إلحاح جدتى علينا بالبقاء ؛ ذلك لأن هذا العجاج يشبه عجاج سيدى المهدى الذى دفن من أثره قوافل فى الصحراء ودفن أطفال ، لم أصدق ما تقوله لكن لما خرجنا لم نستطع رؤية شيئ ؛ الطين الاحمر لبس السماء وغطى الدنيا ويبس الحلق وكأن المدينة لطخت بالدم ، وقد وجدنا صعوبة فى الحركة لكن خالى أصر على متابعة السير رغم أن الرياح تصفع وجوهنا ، وكلما تقدمنا خطوة رجعنا خطوتين ، لم يكن فى الأفق غير القبلى الذى استولى على المدينة بسهولة وارتد الناس عن مشاغلهم إلى بيوتهم ، فأعادتنا الرياح غصبا وألصقتنا بالحائط . صفعنى خالى مرة ثانية : مش قتلك .. انت فرخ حرام . حالما عدت حممتنى جدتى وأدخلتنى الحجرة المغلقة الباب التى اشعلت فتيلتها ؛ لكى نرى ونزيل الظلام الذى عم هذه المرة فى وضح النهار بنغازى ، ظلام القبلى الذى يريد دفنها مرة أخرى . ثم حاولت كعادتها أن تشغلنى بخيط السرد ، الذى تنسجه حولى حتى أتحول إلى شرنقة لاتملك الفكاك بل تتخبل فى نسيج الحكى ؛ وحتى تذهب عن نفسها قالت هل تعرف أن بنى آدم غلب كل شئ فى الدنيا ؟ ، ثم ذهبت عنى حيث مكمن الانس والجان ، حيث الانسان حمل خنجرا ، ومضى يركض خلف الثور ثم لحق به ، ثم إنه أمسكه وطرحه أرضا . ثم إن الانسان هم أن يعمل الخنجر فى عنق الثور ، حينئذ صرخ الثور فى وجه الانسان ، ثم إن الثور تكلم ثم انه قال : - يا ابن آدم .. لقد نسيت كل الخير الذى صنعته لك وها أنت قد أصبحت جلادى ، ثم أنك سوف تأكل لحمى ، زد وتأكل جلدى وحوافرى .
لذلك اجتمع وحوش الدنيا كلهم وقال بعضهم للبعض الآخر : - من منا يقدر أن يذهب ليرى ابن آدم ، ما شكله ومن يكون ؟ ابن آدم الذى غلب الدنيا كلها بالحيلة .
لم يستطع أن يجرؤ أحد سوى ( صيد الليل ) صغير الحجم المسلح بالاسهم الذى قام وقال :
- أنا من يذهب ويراه ، أنا من يخبركم من يكون ابن آدم هذا ..
ذهب صيد الليل ليتعرف على بن آدم وفى الطريق وجد بعض الحيوانات تنتجع وفى وسطها وجد فحلا ، والفحل يصيح ويلبلب فقال له صيد الليل : هل أنت بن آدم ؟ .
فقال الفحل : كلا وألف كلا ! بن آدم مولاى .
ذهب صيد الليل تاركا الفحل المستمر فى اللبلبة ، فوجد الثور يخور بأعلى الصوت فسأله صيد الليل : أنت بن آدم ؟
فرد الثور من فوره : أستغفر الله ؛ بن آدم مولاى وسيدى و ذهب عنه صيد الليل والثور يخور ويخور فعثر على الحصان ، الحصان يصهل وصيد الليل يكرر السؤال والحصان يصهل : أأنت بن آدم ؟ .
صهل الحصان فقال : بن آدم ؟ بن آدم مولاى ، بن آدم مالكى ، بن آدم ممتطى صهوتى .
والحصان يصهل ويصهل ذهب صيد الليل يحث الخطى ويحث حتى ظهر جمل ، الجمل يرغو ويرغو ويزبد ، ويخبط بخفيه الارض ، فاشتبه صيد الليل فى الجمل وبينه وبين نفسه أيقن أنه أخيرا وجد ضالته ولهذا سأل الجمل مطمئنا : لا بد أن تكون أنت بن آدم ؟
وقف الجمل وقفة الرهبة فقال : بن آدم صاحب نعمتى ولست سوى دابة من دوابه ، بن آدم يركب ظهرى فى أسفاره ، بن آدم أحمل أثقاله . ثم وقف وقفة الشكوى فقال : بن آدم إن لم تصدق انظر إلى ظهرى كيف هلك بالثقل وما حملنى من أوزاره . ثم وقف وقفة البكاء ووقف صيد الليل متسائلا ومندهشا : عجائب هذه عجائب ! ، من ترى يكون بن آدم هذا ، هذا الذى فينا وفيكم يتحكم ؟ .
وقف الجمل وقفة جمل فقال : اذهب اليه ، اذهب لتراه هناك ، هناك فى خيمته .
ذهب صيد الليل فى الاتجاه الذى أشار إليه الجمل ، لما وصل سأل : هل أنت بن آدم ؟
- نعم !
أكرم بن آدم وفادة صيد الليل وأعطاه حليبا فجبنا ، أكل ثم شرب وبعد أن تناول صيد الليل طعامه سأل ابن آدم : من أين لك هذا الخير ؛ الحليب والجبن ؟
- من العنز !
ثم قام بن آدم وأمسك جديا ، ذبح الجدى وصنع منه طعام الضيف ، تأمل صيد الليل ما فعل بن آدم ، وبعد أن أكل صيد الليل وجبة الغذاء من اللحم قال : من أين أتيت بهذا اللحم ؟ .
فقال بن آدم : من لحم الجدى ابن العنز .
فكر صيد الليل مليا فيما لا يتجاوز جمجمته : كيف تعطيه العنز كل هذا الخير ، ثم يثنى على ابنها فيذبحه ؟ إن بن آدم لا أمان له ، وشخصيا أخاف على رأسى أن يطير ، فكيف الخلاص ؟ .
فى غبش الفجر هرب صيد الليل ، فوصل إلى رفاقه وهو يلهث من شدة الرعب .
فقالت الوحوش فى لهفة : خبرنا يا صيد الليل هل رأيت بن آدم ؟
فقال : لن أخبركم ! ، لن أخبركم حتى تحفروا لى حفرة فى هذا الجبل ، ويكون المأوى نفقا عميق الغور ، وقبل ذلك لن أخبركم .
أخذت الوحوش فى الحفر جميعا حتى أتموا النفق الذى شرط والذى يريد ، فدخله صيد الليل على عجل ، ولما شعر بشئ من الامان ، وبعد أن هدأ روعه قال :
بن آدم - ثم ازدرد لعابه - بن آدم هو سيد كل ما يوجد ، كل ما يوجد فى الدنيا ، هو الكائن الذى لا يقهر بما يملك من حيلة ، وكل من يريد أن يبقى حيا فليهرب ، فليهرب حتى لا يفقد رأسه .
ومنذئذ ، هربت الوحوش ؛ كل وحش اختار له مأوى وملاذا منهم من سكن إلى مغاور الجبل ، منهم من حفر الحفر فى الارض ، منهم من اتخذ الوعر المسكن وافترقوا كل فى ملجأ . كما افترقنا واحتلنا على بنغازى التى ضرب الجوع أطنابها ، ودكت الحرب عمدانها ، إتخذنا ملجأ لنا عمارة فكت جدرانها ؛ قيل أنها فيما مضى مقر الحزب الفاشى حزب موسولينى ، منها تدار أقدار الناس ، وتحرك خيوط المدينة وقد عاثت فسادا أما اليوم هى خرابة ، وأخرون اتخذوا منا جيرانا فعمرنا العمارة بكدحنا اليومى . دخل خالك الصغير مدرسة اليتامى فيما كنت احمس الحمص والفول لخالك الوسطى ليبيع ذلك أمام دور السينما ، ولقد خفت كثيرا أن يضيع منى زوادة العمر وما زرعت بشق الانفس وحلاوة الروح ، خفت أن تحصد حرب فلسطين أبنائى ؛ وقد عم الحماس الشباب والصبيان لأجل الحرب والتحرير، وبالكاد ذهبت عنا حرب ضروس لتنهض أخرى تأجج النفوس وتضرم فى الارواح النار . لكى لا تأكلنى هواجسى ذوبت نفسى فى بيوت بنغازى ؛ أنظف هنا وأطبخ هناك وأرعى أطفال هؤلاء وأغزل لإولئك الجرد والعباءة ، ولما كان أبوك يخبز الدقيق كنت أطحن العظام ، ولما فاض فى ذلك العام وادى القطارة فاضت الروح معه ؛ غرقت المدينة وغاصت شوارعها فى كدر وضيق ، كنت انقب عن مستقر لما اقتلعنا من مطرحنا اقتلاعا ورمى بنا السيل على قارعة الطريق ، لكن من سكن بنغازى لا يخشى من البلل لهذا جففنا الدموع وسددنا فى وجهها السبل ؛ حصلت على عمل ثابت وسكن دائم ؛ لما كانت الناس بما جاءهم فرحون فقد هللوا لأستقلال البلاد ووزع التجار على الاطفال الحلوى.
- لمن تحكى يا جتى ؟ .
- نحكى لروحى ؛ قالت ذلك بغضب وهى تتدثر بالغطاء ، ثم سرعان ماذهبت مع النوم وعلا غطيطها واجتاحنى الخوف . بين حكيها ونومها تأخذنى حيرة : من أين تجد النوم كما تجد الكلام وكأنهما مربوطان بخيط واحد تستله من ردنها ، لكن هذه الحيرة تغلب فى كل مرة بالانسياب فيما تفعل . فى صباح اليوم التالى نهضت جدتى تعد الفطور وتوقظ خالى من أجل الذهاب للعمل ، عند آذن الفجر استيقظت على غير العادة كنت أريد أن أسالها من أين تجئ بالحكايات ، لماذا لم تذهب للمدرسة ، ثم أقترح عليها أن تذهب منذ اليوم معى لكى تتعلم القرأة ؛ من أجل أن نقرأ معا مجلة الليبي الصغير وسندباد ، فكرت فى الامر مليا ، دخلت على لتجدنى واضعا رأسى بين يدى مستغرقا فى التفكير ، طلبت منى أن أنهض دون أن يلفت انتباهها استيقاظى على غير العادة مبكرا ، ولا انشغلت بما يشغلنى ثم سمعتها فى عراك مع خالى من أجل أن يذهب لعمله لم أهتم فهذا يحدث تقريبا يوميا ، ولأنى أيضا مشغول باقناعها بأن تذهب معى للمدرسة قلت لها ذلك فزجرتنى . نهضت على عجل وفى المدرسة سألت المعلم إن كان بامكانى أن أحضر معى جدتى ؛ فقال بأن هناك مدرسة لمحو أمية الكبار وهو يعمل متطوعا بها أخر النهار حيث بالامكان حضورها ، لم أقتنع لكن قررت أن أحاول معها . لما عدت للبيت لم أجدها ، رميت شنطة الكتب لأذهب للوسعاية باحثا عن أى طفل من أجل اللعب ، وجدت الاطفال يلعبون لعبة عروس وعريس طلبت أن أشاركهم فأبوا ، وبالقوة أخذت سعادا عروسا لى ، مهددا بأن ألعب أو أخرب اللعبة ، هكذا قبلوا بى على مضض ، بالسرد دخلت معركتى فأخذت أحكى لعروسى حكاية من حكايا جدتى ؛ تحلق الاطفال حولى وتركوا اللعب ، عندها ألفت الحكاية كما أريد ؛ كنت أدخل خيط حكاية فى ثقب حكاية جاعلا من نفسى البطل ، جعلت من الافلام التى شاهدتها مع خالى وأبى زوادة إلى جانب ما سمعت من حكايات : ركبت مع سندباد البحر ووصلنا جزيرة النحاس حيث بحر عين زيانة وفى القدر ؛ فى قلب العين خرج علينا ذو العين الواحدة عفريت الشيطان ، الذى ينفخ من فمه النار الذى خطف زوجة جارنا على الخياط ليلة الدخلة مما جعل أهلها وأهله يشعرون بالعار ، لقد استردينا منه الخطيفة التى دسسناها فى الجخ ، لما تركت سندباد تعاهدنا أن نساعد نص انصيص ضد اخوته المجرمين فى الرحلة القادمة . وقد اندهش الجميع كثيرا حين قلت لهم بأنى شاهدت عنترة ؛ حكيت معه وأتفقنا بأن أذهب برفقته فى حربه القادمة ضد عرب عنبس ، لكن مفتاح بورقبة أصر أن شبيوب هو رفيق عنترة وليس أنا ، فتعاركنا لينصرف فى غضب صارخا : أنت ويشى - : شارلى شابلن - الكذاب . حين غادرت الشارع عائدا للعلوة أمسكتنى أخته الكبرى ، صفعتنى على وجهى ، فهرعت وبين البكاء والصراخ كنت أردد فى تنغيم تهديدى : ياعورة ياعين الديك .. كلبتنا اتحلف فيك
فى ذلك اليوم فقط انزعجت أن لا يكون لى اخوة فى عمرى ، فتمنيت أن يكون لى الكثير منهم ، وأن يكبروا بسرعة تحققت هذه الأمنية التى ندمت عليها فيما بعد لما تجاوز عددهم الدزينة حينها أخذتنى بنغازى من يدى واندلفت بى متخذة من غيمة البياض بساطا كانت الغيوم الأخرى تداعبنى فتتحول إلى غزالة الريح ، ضب السماء الطائر ، قنفذ الشوك الحريرى وجربوع القفزة السماوية ، حتى وصلنا حديقة الحملان الذهبية والجديان الزرقاء التى حوطتنى بمخمل ملامساتها وهى تلحسنى غمرتنى رائحة مسك أمى وقرنفلها ، صفا صفا وقفت تحيى بنغازى وتحيينى ؛ ثغاءها موسيقى الكون وهو يتثأب مع طلوع الصبح الذى تحول إلى مسرب قادتنا فيه طيور الضؤ حتى ظهر علينا صرح شاهق لم أتبينه لأنه يعكس أو ينساب منه قوس قزح قلت فى نفسى هذا مصب نهر الالوان الذى تخفيه الشمس عنا حتى يباغتها المطر ويغسل السماء فتبان كنوزها كما تبان النجوم لما تنام ؛ شمس الصحارى شمس الخفى . وكنت أندلف فى المكان دون أن أتبين موقع قدمى وأنساب فى مسرب البياض تأخذنى أجنحته والنوارس تحط على حافة الضؤ وتخترق الفضاء بين السبخة والبحر أو تحط على سريرى الأبيض حين ينتابها الاعياء وكما بيتنا كأن لا باب له كذا هذا الصرح . قالت بنغازى وهى مشغولة - بى - عنى : هذا بيت بنى من الملح ففى جنوبى يبنى أهل لك لا تعرفهم فى الواحات بيوتهم من الملح ، ولما عقلتنى الدهشة استطردت وإن المطر قد جفأ هذه البلاد وهى حافة الصحارى الكبرى وواحات لمستقر أراد التوحد فى الكون ونأ عنى وعن البحر منشدا سماء النجوم وخصلة شعرى ؛ خصلة برنيق الذهيبة فى ليل الصقيع الابدى ودفء الفؤاد ، وفى النهارات يهز النخلة ويطلق سراح الماء الجارى عن العيون كذا هو ساكن بن مسكان ، ساكن أوجلة / مرادة التى فى مرة نفى اليها الطليان وقد كانت المنفى أحد المجاهدين ، هالهم سروره وغبطته لكن حيرتهم تبددت لما عرفوا أنه أصلا من مرادة وأنه أحد بناة بيوت الملح هذه التى نفوه إليها ، وكما ترى فإنها مصب النهر الذى جففته الدهور ويبست حلقه شموس الصحارى الغضبة من جشع الانسان ، وكذا هى محط القوافل التى ارتادتنى حقب وسنون طوال حتى غرقت جمال بحر الرمال فى بحر النسيان لما ركب الانسان الحديد وصيره بهيمته وهذه الواحات / جالو جزيرة فى الرمال وعمارة فى تلك الصحارى هى راحة يدى المغروسة فى الرمل لعابر السبيل ومستقرا لهائم تعب . سرنى ما أسرت به لى ونحن ندخل بيت الملح للطعام لكن لم أفهم ؛ وبدأ لى أنى فى خلوة الجامع أحفظ ما يطلب دون أن أفقهه كذا الايمان سر القلب ولغز العقل أو هذا ماقاله فقيهنا ذات مرة وحفظته عن ظهر قلب ، لم أطلب شرحه مخافة عصاه وهى تطولنى فى المنام فما بالك بالصحو . صحوت وخرجت من التابوت الذى يرقد فى صحن الجامع والذى يستعار لنقل الموتى ، هو أفضل مخبأ ، وملجأ اطفال الحى الهاربين من الفقيه أو من غضب الأب ، كالعادة سررت لما وجدت نفسى حيا وبإمكانى العودة من جديد إلى البيت ورؤية جدتى التى وجدتها نائمة قد أنهكها شغل كل يوم ، وهى نائمة كثيرا ما تتكلم وتحكى عن تغريبتها ، ترطن بلغة غير مفهومة لكنى كنت عرفت من أمى أنها لغتها الامازغية غير أن الكلام فى مجمله وإن هو فى صيغة شكوى كما تبين نغمته غير مفهوم ومتقطع ، يستهوينى الاستماع اليه فى الغالب لأنى أشعر بالأمان ، بأنها حية وأنها تأكل الرز مع الملائكة كما يقول جارنا المهاجرالعائد من مصر حين يجد أحدهم نائما ويخثرف . طوقنى نعاسها ، اجتاحنى الوسن اكتسحت أمواجه عيونى ،كذا بردت فتدفأت بموقد حضنها وتلحفت ردائها . حين لفتنى بنغازى بيديها كان البحر الأبيض يجتاح شواطئها الراقدة أسفل البحر الذى أطلق عنانه فغطى حى الصابرى فى مجمله ، لم يصل العلوة لكن بكاء الاطفال وصراخ النسوة خيم على كل مكان قريب ، وأبى يعارك الامواج ممسكا بطفل ويجر إمرأة : من يسكن بنغازى يدفع دية البحر كل عام ؛ غرق ملبس وعام مأكل وطفت بعض العشش ثم تفككت حلاليق وبراريك ولم تعد تصلح مأوى . الغضب الشتوى مس البحر فهاج وماج ، ظهر جنونه وزاده الصراخ والعويل هيجانا على هيجانه ، كذا أخذ الناس بغته كأن الشتاء يأتى فجأة ، وليس ما يحدث الآن يحدث فى كل عام مضى . وقد انتزع الذهول العقول فتخبط الناس وتخبلوا بهلعهم إلا نفر قليل أخذ ينقذ ما يمكن انقاذه ، حولت جدتى بيتها مأوى ؛ وهكذا هى العلوة التى مد البحر ألسنته فى محاولة مستميته منه أن يطالها ، لقد تلبسه الحنق الشديد فبدأ يضرب بشراسته المعهودة حتى غطاه الزبد ولم يطل إلا حواشيها ، فإرتد خائبا ليعيد الكر المرة تلو المرة حتى أفاق الصبح مصعوقا تراجع البحر ، ومدحورا مد ألسنته الملتهبه من أثر الحنق نحو السماء مهددا لما ظهرت عليه الشمس ؛ كاشفة عري جسده الأبيض الذى يغطيه فى غير هذا الوقت ثوبه الأزرق المحروق بحنق وغدر قلبه الأسود المشحون بغضبه على الإنسان الذى حوله إلى مطية يركبها متى وأين شاء ؛ هكذا سمعت أخر صراخات البحر وهو يرتد على نفسه ، غب ليلة البارحة التى فيها نكل بمن إستطاع من أهل المدينة . قالت بنغازى إنها غيرة بيسدون من أهلى الذين أويت ومن انشغالى بك ؛ عنه .
عادت بنغازى إلى عادتها القديمة وجدتى أيضا ، كأن لم يحدث شئ . غير أنى لاحظت فيلا أصفر يحمل صخرة جبلا يمخر الشارع الرئيسى فى المدينة يقوده تيس أحمر ؛ كنت كلما رأيتهم أقرأ فى سرى الآية القرآنية : ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم فى تظليل ، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول . صدق الله العظيم . عرفت فيما بعد أن هذا الفيل سيارة حمالة الصخر ؛ ليغطى البحر حتى يكف عن مشاغباته فى الليالى الشتوية ، ثم لدفن السباخ ، وأن من يقودها يونانى أو رقريقى كما جارنا ؛ غير أن قائد الفيل نصرانى وليس كجارنا الذى كرمه الله بالاسلام . لم يرق لى ما يفعلون ببنغازى فركبت الثور ؛ اليونانى يدفن السباخ وأنا أحرث البحر ثم دخت السبع دوخات بحثا عن بنغازى ؛ أتعب النهار فأصرخ فى مرقدى كل ليلة وقد ظنت جدتى وأهلى بى الظنون ، لكن على أن أنقذها مما يبيت لها ؛ هم يريدون تشليحها من ثوبها الابيض الذى ليس كمثله شئ ؛ الملح إن غاب غاب الخبز لو كانوا يعلمون ، وفى مرة ركبت الكبش ، نطحت بقرون عنادى الفيل سيارة اليونانى ذودا عن ثوب بنغازى التى فى قديم الزمان - كما حكت - مزقوا قرون شعرها ؛ خصلة برنيق التى علقوا فى السماء كى تكون منارة ، هدى الفلائك والسفن والتائه فى بحر الماء ، كما جعلوا واحاتها مستراحا للتائه فى بحر الرمال ثم ثقبوها بحفارات القبور بحثا عن القاز والقطران أو كما يقولون كفوا عن بنغازى فقد أهلكها تعب حتى صارت عجوزا عند النواحين والعدادين وهى الفتية كما ليس ثمة فتاة ؛ قلت لصاحب الفيل لما أمسكنى يغرينى بقطعة شوكلاطه كبيرة وحلوة حليب ؛ كى أتركه ينهى مهمته التى صيرتنى مهموما بما لا يعى الكبار . الحدث لم يأخذه أحد بجدية كذا جدتى : انهم يدفنون السباخ ويزيحون البحر عن بنغازى ، ردت على وأنت يغطونك بالنيلون الذى يشتعل بعود وقيد أو طشاش فحم ؛ لم تكن تحب الملابس الجديدة التى يجلبها لى خالى دون أقرانى من أطفال الحى ، التى كنت أتباها بها ؛ لهذا مرة ثانية بعدت بيننا المسافة كما حلى لى أن أقول فى نفسى خاصة عندما أقلب المجلات التى صرت أملك منها الكثير ، وأنكفى عليها أقرأ وأدفن خيبتى فى الجميع مهووسا بالبحث عن بنغازى التى غابت عنى خلف غبار الشاحنات . الشاحنات اتخذت من العلوة ركحا لاستعراض قوتها ، محطة تقذف فيه نفايتها من زيت ونفط وأوساخ آخر حتى غدا الركن المحاذى للطريق مرحاض الشاحنات وكنيف سائقيها .قلبت فى كل مكان دون جدوى ، بحث عن أحد ينصت لى دون جدوى ، فتشت فى رأسى الصغير عن معنى ما يحدث دون جدوى ، حاولت استدراج جدتى إلى مشكلتى دون جدوى عندئذ عدت إلى دكان أبى الذى بدأ لى كـكاركاوز بازامه أو صندوق العجب فقد أضاف إلى رواده من بدو وعمال من غرب البلاد روادا جدد ؛ اليونانيين الذى يردمون بنغازى واللبنانيين اسطاوات البناء والمصريين الذين يساعدونهم ، تعددت اللهجات واللغات وجدت سلع من برغل وسمك مجفف ولحم معلب بولوبيف وفول مدمس وتلونت السحنات والملابس ، وكل واحد من هؤلإ الرواد يداعبنى بطريقة ولهجة مختلفة ، وكذا ترددت وجوه جديدة قيل أنهم عمال حقول النفط فى الصحراء والذين يجئون للدكان لغرض بيع ما يستبقونه من تموينهم فى الحقول وهى بضائع لم أعرف لها مثيلا من قبل ، مرة سمعت أحدهم يصفها بالبضاعة الأمريكية . احتفل أبى بوجودى فى الدكان وأخذ يتركنى بين الحين والآخر وحدى كحارس صغير حين يضطر لغياب سريع ، وقد وعدنى بالذهاب إلى درنة وزيارة خالتى هناك والبقاء أيام فى مدينة الموز . لكن رغم الوعود وهذه الالوان المتعددة والزاهية فإنى ما رأيت إلا السحنة المكفهره للسماء وشكل الغبار - بتحالف مستتر مع القبلى الذى لا يظهر إلا فى الصيف - وجه كل شئ ، واقتلعت أشجار لتوسيع أو مد طريق وضيق على البحر حتى انحسر ، فى فترة وجيزة تأكد لى أن المردة الذين يسكنون جبانة سيدى اعبيد وجبانة اليهود وجبانة سيدى خربيش وجبانة سيدى داوود وجبانة العويلة ؛ الاطفال وجبانة النصارى أطلقوا ريحهم وأخذوا يرمون المدينة بالقطران والزيوت فى وضح النهار وفى الليل الذى انير بعواميد الكهرباء الممتدة حتى الصابرى . وفى صندوق العجب هذا دفنت حيرتى ، وبقى السؤال يسرح فى رأسى ويرتفع طنينه لما انتبهت أمى لغيابى عن جدتى وأحست بالخوف من عودتها للعمل فى بيت محافظ البنك من جديد أظهرت حرصا غير معهود عندها بمدرستى وأهمية القرأة وبمجلاتى وكتبى هاته التى جعلت جدتى تزيد من اهتمامها بى فهى تريد أن أكون ضابطا أو معلما وليس تاجرا ، وحين باغتها بأسلتى عما يحدث وعن غياب بنغازى ، أخذتنى فى حكاية وضمتنى فى حضنها ولفتنى بردائها لكن السوال الفاغر فاه فى جمجمتى لفنى بثوب التعب فاستلنى منه النوم ؛ غبت فى الرماد الذى تسفحه الريح من مواقد السباخ ، لم أتبين طريقى حتى أردفنى نص انصيص خلفه على ظهر الكبش والمحل يغرس أنيابه فى الارض التى تشققت ، والسباخ التى جفت كأن زلزالا ضربها ظهرت لها أخاديد وغارت ملامحها فيما أخذت الارض الزراعية المحادية للمدينة تمد ألسنتها من أثر العطش ؛ غاب المطر غب انسكابه من السماء سيولا وخروج البحر واكتساحه الصابرى حتى غصت المدينة بالماء الذى امتزج حلوه بمالحه ، صلى أهل البلاد صلاة استسقاء لإستمطار السحب التى تمنعت وأمعنت فى الغياب حتى جفت حلوق أهل البلاد وترمضنت وجوههم ، ومات الزرع ويبس الضرع ولمعت أنياب الشمس ففزعت كل دابة وسكت الدبيب . قرأ النـاس القرآن والاوردة ، أقاموا الحضرة قامت قيامة الدفوف لكسب رضى السماء دفعوا دقات القلب ووجل النفس وسفح الدمع وخرجنا الاطفال ثم النساء والزوايا : الحركات الصوفية الاسمرية ، العيسوية ، القادرية ، الشاذلية ، التيجانية هذه يقودها الشيخ الصفرانى وتلك الشيخ ازواوا والاخرى الشيخ فرج وأخرى الشيخ البهلول وقال ناظر المدرسة فى طابور الصباح : لم يحدث وأن غابت كل العام وإن قلت سبع فهى فى سبع آخر شبوب تنهمر ، وعلق مدرسنا فى الفصل لم تكن المدينة تشرب من المطر قدر أن ماء شربها من البحر فهو ماء أقرب للمالح من قربه للعذوبة ، ولا البادية الساعة تكفى المدينة مؤنتها ، ومما من زرع وقد أخذت الموانى تقوم مقام الزارع والراعى بعيد خروج النفط من نفس تلك الموانى ، لكن العطش اجتاح المدينة والبادية وفزعت البلاد شاخصة عيونها الذابلة إلى السماء التى اشاحت وجهها عنا مما زاد عطشنا الابدى . لم أفطن لبقية ما قال فقد رفعت اصبعى مستئذنا المعلم لكى أخرج للحمام ؛ كان نهر العطش فاض فى جسدى . جبنا على ظهر الكبش ثغورا وحصونا ، وكلما نص نصيص لكز الكبش قفز عابرا كثبانا وسدودا . فى النفس توق لفك أسر مطر من قبيلة القبلى لهذا ارتدنا بلد الهول فبلد الويل ثم اقتحمنا بلد الجفاف حتى وصلنا العطش فى امبرطورية الرمل ودخلنا من باب القحط فوجدنا هناك المطر جثة هامدة .
هالنى ما رأيت وأصمنى ما سمعت فى الهو: دج دق دج دق ؛ زاد دق الدفوف وماجت السناجق وتلفعت أجساد وداخت روؤس ثم تسترت بمروج البخور وتصاعد الدخان الذى تمايل مع الاجساد فاجتمعت مع طست وطار وطبل ومزمار فى انشاد وذكر فى مديح ورقص ، صدحت الغيطة ثم اشعلت نيران لما علت الاذكار واطلق سراح الجذيب مالت الرؤوس من يمين لشمال ومن شمال إلى يمين والاكتاف تهتز حيث مالت الرؤوس ، وفينة صرخات تخترق السماء وأخرى يهيمن التصفيق ولما تربع الباز أخلت الالآت الساحة فأكل المريد النار وخيم الوجد وهمد كل شئ وعلا سكون : اخوانى أيها الفقراء واظبوا الحضرة كما تواظبوا على الصلاة كذا قال الشيخ ؛ شيخنا صاحب البندير عبدالسلام الاسمر ، فقطعت أصوات الجماعة حبل السكون : شى لله شى لله .. ثم هيمن الصوت الفرد مرة ثانية على المجموع : أما البنادير فلا تضربوها إلا بعد أن تظهر الخمر ، و لا تضربوها إلا وأنتم طاهرون ، وأما الرقص فلا يكون فى الحضرة إلا عند الجذب ، و لا ترقصوا فيها متعمدين ، وأخشعوا فيها كما تخشعون فى الصلاة .. الحضرة روضة من الجنة ونورها المنثور سياج الحلقة . كنت أطرق الطار الصغير الذى أعطى لى كلما سكت الشيخ النقيب حمد ازواوه شيخ الزاوية عن الكلام صائحا حى حى ولم يسكتنى أحد من الكبار فأنا الطفل الوحيد فى هذا الجمع فى هذا ( الهو ) ؛ الجرف الغميق فى الارض الذى يظم جنانا طبيعيا وفى الاسفل كهف كبير ينطوى على كهوف ، الزاوية العروسية تأم هذا الهو كل عام وقد حضرت هذا العام طلبا للغيث بعد انحسار المطر ولما كنت فى اجازة نصف العام الدراسية فقد طلب الشيخ حمد من أبى أن أذهب معهم ؛ هو يعدنى كإبن حيث لا عيال له وقد سميت على اسمه ليظهر أبى محبته لسى الشيخ حمد المشرف فى مدرستى من ألقى منه كل عناية وحنان ما لم أجدهما عند والدى . أخذت عن نفسى ناسيا من أكون وعن ما شغلنى فيما مضى ، بما أرى و أسمع : كان شيخنا الاسمر عبد السلام يشير على الدف فيضرب نفسه بنفسه بدون واسطة ؛ كانت له سبحتان ، واحدة بيده والأخرى معلقة بوتد ؛ فإذا سبح بالتى فى يده تسبح التى فى الوتد حبة حبة من غير واسطة . ووجدتنى أترك دفى الصغير جانبى وأترك النقر فى ذهول سكنت أنفاسى مصغيا بكل جوارحى ، حينها اتكاء الشيخ ناحيتى مستريحا : مما أنعم الله به على فى الصغر فى أيام قراءتى على عمى أحمد ؛ تسألنى جماعة الطلبة عن مسألة لا يكون عندى لها جواب ، فأرى الجواب سطر أمامى فى الحائط أو الحصير أو فى الدواة ، هذا فى الصغر قبل أن أبلغ الحلم . ومما أنعم الله به على لما حدث لى الوارد ، وهو الحال القوى الذى لم أجد منه راحة حتى لم يكفينى فيه ذكرى وذكر غيرى ، قيل يا عابد السلام لا تجزع مما نزل بك من الوارد القوى ، فادعنى أستجيب لك . فقلت : يارب ! رضيت بما نزل بى منك . ودعوته بدعاء يطول ذكره وقلت فيه : أغثنى بدواء واردى ؛ واذا بالنداء من الهواء : يا عابد السلام ، خذ دواء واردك الربانى . فشيعت بصرى إلى السماء ، وأنا أقول : سبحان الملك القدوس وكررتها ، واذا بدف عظيم هابط على من السماء مرتج من نور ، فتلقيته وجعلت نضربه لنستريح بسماعه حين هيجان الحال واحراق الوجد ، فكان فى سماعه دواء واردى .
دج دق دج دق دج دق دج دق هاجت الدفوف السماوية وطلعت الملائكة فى فم الكهف ، طار طارى لمطل البنادير التى انبثقت من فوهة فى السماء ، ارتج المكان ودج ودق ، فى الوسط كنت ؛ تبركا بى باعتبارى من حفدة الشيخ صاحب البندير ، وقلادة الحلقة كان الشيخ النقيب ، ارتجت أجساد ، هلل الشيخ ، هلل المريدون ، هللت ، همدت أجساد وهاجت أرواح والحلقة تتسع وتضيق ، نور خيم على الكهف وترانيم :
اصدع يا دف وتكلم
لسالم السنهورى
جاء بجماعة متحزم
بفتاوى الفيتورى
فقال الدف محرم
على القول المشهور ..
طار طار إلى أعلى الكهف ، شاوش الحضرة طار يلاحقه فيما أمسك النقيب بالعقد كى لا ينفرط . استولى الطبل على مكانى ، أخذ الجذب العاقل عن المعقول فأطلق عنان الجسد الذى طوح بأطرافه كل فى ناحية يضرب فى الهواء ومزقت الحناجر ستور الكون ولما طار الشاوش تبعه مريدون ، امتلئت سماء المحيط بالدفوف والاجساد وأطرافها واندغم هذا فى سحب البخور والجاوى والفاسوخ وتطاير شرر القمارى ثم استولى دف سماوى على المشهد حينها جاء صوت الشيخ النقيب من بعيد يسعى : نحن والفيتورى أصل واحد لكنا الأسمر فرع زاهد .
أخذنى زهو فزدت هياما وجذبت حتى غرقت فى بحور الوجد فقد بدأ لى أنى ابن السماء كما أنا ابن بنغازى وأنى الكامل الكمل وأنى لست كنص انصيص لما انتشلنى صوت تبينته صوت جدى : جئت للشيخ أواسط شهر مارس بقصد الاستسقاء وقد حصل بالبلاد العطش ، فندهت بالشيخ وأخبرته ، فلم أتم كلامى إلا والشيخ أصابه حال عظيم وأنشد يقول :
زرعك يا خليلى الآن يروى بالامطار
وعلى الله يتقوى وتفوح أسرار البارى
ولم يتم كلامه حتى ظهر السحاب ونزل المطر الذى عم مشارق الارض ومغاربها : أرعدت السماء وأخذها هول وأبرقت من جزع وغطت خوفها برداء السحب ثم تلحفت الغيوم حتى عم الظلام المكان ، بغته شقها نور ثم درت السماء واسترد المطر الروح فهللت الانفس ، انقشع عن الوجوه ستر الغم فخرجنا جمعا مزدحما من بطن الكهف الذى كأننا سكناه الدهر وأغتسل بعض المريدين فى زهر شيخهم عابد السلام وسلمت الارواح . لم أفطن إلا ويد الشيخ تقتلعنى من بركة الماء التى سبحت فيها جذلان وقد تنبهت إلى أن شجر الجنان ؛ الرمان والتين والزيتون والتين الشوكى والعنب الذى يغطى ( الهو ) أمام الكهف يرقص ، وبدأ لى أنه نبت فى التو والساعة وليس كما يقال بأن الاقدمين زرعوه لما لاذوا بالكهف فرارا من حرب ومطاردة الاعداء لهم .لكزنى نص انصيص وكنت فى غطيط النوم ثم أردفنى الكبش وهو يطير فرحا : لقد حدث المقصود ببركة جدك كذا قالت جدتى وهى ترحب بى عقب عودتى من الزردة مع الزاوية كنت أردد : مشينا وجينا زاردين بركة ربى العالمين ، وكنت أريد أن أخرج لأعوم فى السبخة والغدران التى أعادت لبنغازى الروح .طوفان عم وغدران حولت المدينة إلى جزر مقطوعة العقد لهذا تعاون الناس فى وضع الحجر وبنو جسور صلة مؤقته ، لكن العلوة كالعادة لم يطالها السيل فى حين غرق الصابرى فى شبر ماء ، غير أن الحفارات واصلت حفرها لتقيم مجارى من أنابيب للماء الابيض وأنابيب للماء الاسود وقد غرقت أيضا شركة المقاولون العرب التى تحفر هاتيك المجارى غير أن عمالها وسط اعجاب أهل المدينة واستغرابهم أخذو ينزحون الماء بالجرادل فى سرب يمتد من داخل حفرة إلى حوض السبخة لهذا علق البعض أن قوة ناصر تكمن فى هذا النمل الاسود ، فتعلقت منذئذ بمصر بلد العجائب أو كما قال لى اولئك العمال أن مصر أم الدنيا وتعلقت أيضا بالمحفوظات المقررة فى المدرسة لأنها مصرية وتغنيت بها : بلاد العرب أوطانى وكل العرب إخوانى .. زاد أبى اعجابا بى خاصة بعد حصولى فى امتحان الفترة الثانية على الترتيب الثانى ، بز بهذا جاره عبدالدائم الذى رسب ابنه كذا غيره من أصحاب دكاكين حميد ، على غير عادته وزع المشروبات وحضننى ؛ علمت فيما بعد أنه فى جلسة خمر راهن بأنى أبز كل أولاد الحاضرين كما يبزهم هو فى الخمر وغير هذا من الامور ، لما كسب الرهان الذى هو خروف يذبحه الخاسر للجماعة وجدت نفسى وقد تم ايقاضى باكرا فى محطة المسافرين أركب البولمن ؛ بولمن شركة الطرباقية لأول مرة فى حياتى ووحيدا أقضى بقية العطلة فى مدينة خالتى : درنة بلاد الموز .لم أهيئى نفسى لهذه الرحلة رغم شغفى بفكرة السفر لكن مدينة الماء عودتنى أن لا أخشى البلل فغطست مخيلتى فى بحر الطريق ؛ الاشجار تمر علينا متعجلة أما عمدان الكهرباء فتخطف البصر كالبرق ، فيما البساط الاسود الممتد أمام البولمن ينزلق من تحت ؛ ريح خلفه ريح ، كل ما رأيت غادرنا على عجل ويلاحقنا صفير العفاريت ، كف الريح تأخذنى هنا وهناك وشغفى يأسره توقد مبهم ، للسفر فوائد سبع قال الشيخ ؛ أن لا تصل ؛ أن يغيب عنك الهدف ؛ أن تنسى أى نقطة ؛ أن تشغف بما ترى ؛ أن تنسى ما ترى ؛ أن ترى ما لاترى ؛ أن تغيب فى اللحظة ، هذا ما سطره الأولون ويسطره السفر الحق فى صدرك فلا تحاول أن تفهم . غابت نفسى مثلما غاب توقى كنت أسرح فى زرقة الذهول ؛ الروح تشف حتى أرى القلب ينتفض ؛ الجديان التى تمر بنا طائرة كذا الحملان تحاذينى فى انسياب حتى حاذينا الجبل ؛ الجبل الأخضر من بعيد يطل على سهل بنغازى حضنا ينتظر ، طلع الجبل علينا فى ثنايات وجذبنا لعقبة البكور ، فى السفح غادرتنا برسس وبطة كما غادرنا المبنى وتوكرة ، لما دخلنا البوابة الخضراء أخذ الازرق يلوح لنا بيده فطالت مبتدأ العقبة فيما الابيض يلحس خدها ، عاد البحر لنفسه مودعا فى نفسى حزنه . عندئذ انتصب تحت عينى بيسدون شاكيا لوعته وشغفه ببنغازى التى لاحت لى حلما يقشعه الجبل الاخضر بيناعته هو الغابة التى على خلاف أبدى مع بطاح الرمل ، الذى عند قدميه بيسدون يركع ، الذى جمع شمل السرو ، الأرز ، الصنوبر ، الصفصاف ، النم ، والاكليل والزعتر ؛ شمل كل زهر ومخضر ، الذى شتت البحرين الماء الاجاج والرمل الاشعت ، هو الفرقان ، الذى فيه تسكن المرج ؛ مروج القمح التى فى ذهبها ذهب العقل وفى طينها الاحمر غرقت وما من مأوى غيره ؛ الجبل الذى بدأت كهوفه عيون الزمن فى محاجر الافق ؛ الذى كهوفه أوشاز وبيوته معلقة سكنها الناس مخافة كل خناس تخنست الريح فى المرج مدينته الاولى التى عرفت قبل ببرقة من بين شجر فشجيرات فسبل ؛ البطوم والشمارى والسدر وفوحت صدرى بعطره ، ومثلما تسللت للأنف وشوشتنى : برقة هذه أقدم بلدانه وهى غرارة القمح ، ثم قال المشهد للعين هذه البيوت البيضاء وتلك الكنيسة المهجورة وطاحونة الريح هى ما أبقى الطليان بعد أن دحروا فى الحرب وأيضا شجر السرو الذى يخفى المدينة عن النظرة الخاطفة .غادرت المرج البولمن فى عجل فامتدت سهوب القمح مسورة بالشعير ؛ الأخضران يتسابقان فى الطلوع عن الارض الحمراء والجبل عن بعد مظلة السهل ؛ حارس المرج يرقبنا ، فى سفحه البدوية ترعى كوكبة من النعاج والخرفان . فى الغريب حط بنا البولمن لنقتات ؛ لما كنا قطعنا نصف الطريق التى قالت لى لقد بنانى أهلك سخرة - قبيل الحرب - من قبل الطليان ، فقال الجبل تسكننى الريح أما أهلك فيسكونون السفح ، وقالت الارض من جاء من البحر توطن الجبل مثل الاغريق ، أما العرب فقد سكنوا الصحارى جنوب الجبل وشرقه ، ماعدا القليل الذين يبدون بقايا جماعات بحرية كما تبين سحنت بعضهم واهتمامهم بالزراعة المطرية ، ثم قال الغريب سكان قرى هذا الجبل كما الغرباء كأنهم على رحيل .جلب لى الرجل الاجنبى ؛ الذى يجلس بجانبى فى الكرسى سندوتش تن وزجاجة رنجاته ، وهو يعتذر عن أنه لا يتقن العربية وأن لغته عامية مكسرة ، وقد اهتم بى إلى جانب السائق الموصى من قبل أبى ، وذكر بأنه قدم من جامعة إيطالية مع مجموعة أخرى لغرض الحفر ، والبحث عن آثار أثينا الافريقية : قورينا ، خفته وخفت بالتالى أن أساله ، لهذا استرسل وكأنه لايعرنى اهتماما ، قورينا هذه هى شحات الآن .. فى اللحظة أطلق البلمون زمارته .
حين دخلنا وادى الكوف أصغيت لزغردة الماء ونبض الأرض ورأيت العاديات ضبحا ؛ الخيول الحمراء تخب ، فى المقدم حصان أبيض ، سيف أبيض وبندقية ، جرد أبيض ، عمامة بيضاء ، لحية بيضاء ، أسنان بيضاء ، من بين السحب البيضاء انبلج نسر أبيض ثم إبيض كل شئ ؛ الجبل الأخضر ، الكوف الأحمر ، البلمون الأزرق والاجنبى ؛ حينها علت قرقعة اقشعر لها جسدى الصغير لأتبين أننا نسير فوق جسر الوادى الخشبى الذى بناه غرسيانى ، وبدأ لى أننا نطفو على خشبة فى مهب الريح والسيل يجرفنا ، عمر المختار ابتسم لى . كذا تبسم لى الطليانى مشجعا ، فيما سمعت السائق يسائلنى عن حالى الذى تدهور ، وانتابنى احساس أنى بين المطرقة والسندان ؛ فما بين الارض والسماء خشب قديم : هلل المجاهدون يحيطون بالعربة يحاذوننى فبعدت عن الايطالى الذى يقاسمنى الكرسى ، ثم غرقنا فى سيل الدماء المنبثق عن الارض ؛ لم ينتبه أحد لغرقى حتى طفوت فى مسه ، أفقت فى مطلع مستشفى الجنون خلفى معمل الخمر ؛ ورد مسه ما جلبت منه الكثير لأبى من جارننا بائع الخمور فى بيته سرا ودون ترخيص ، لهذا يخفى لى نصيب أبى فى القدقود ؛ قفة سعف النخيل التى لها غطاء . تعتعت فى سكر ظاهر ثم تقيأت ما فى جوفى ؛ أمسك بى الطليانى وغاب عنى المشهد فغبت فى اللحظة ، ورأيت ما لا أرى .البياضة تنسحب فتطلع البيضاء فى الأفق ، ومبتدائها جامع سيدى رافع فهلل الراكبون شئ لله يا رافع يا أنصارى ، فسحب السبات عنى غطاه ، فنقشع المنظر ؛ فسابق شجر الآرز السرو ، فأظهرت البيضاء مفاتنها : قمة الحمرى أعلى قمة الأخضر - نهدها ، شط الحمامة اللازوردى -صفحة فخذها والبيوت الحديثة تطرز بطنها ، كذا انسكب فى عينى المنظر وشاهدت مبنى البرلمان ومنازل الحكومة . حين أعطيناها بالظهر توقف البولمن عند شحات لينزل جارى الطليانى ونستريح ؛ الوقت وقت الغذاء ، والجوع ألهب البطون بسياطه حتى سمع صراخ مصارينى ، أكلت صحن فاصوليا بالكرشة ، شربت زجاجة قازوزة بيضاء فدب نمل فى جسدى ؛ حينها فطنت إلى أن رجل الآثار لم يتعاط معنا ما تعاطينا ؛ بل أنه نزل وادى شحات يسوح فى منازل قورينا ويشرب مشهدها الخلاب . أخذتنى عزت النفس فأخذت أقلده ؛ قفزت من صحن المطعم فى فندق موسولينى أعلى التل إلى صحن معبد زيوس أسفل الوادى ، لقيت عجوزا له لحية بيضاء كثة ، يعطى الدروس للتماثيل ، سألته عما يفعل فقال أدرس المدينة الفاضلة على من يفقهون ، وقد غادرت أثينا إلى قورينا لما غابت عن أثينا محبة الحكمة ، سألته عن من يكون فقال أفلاطون . اجتاحنى عطش فأشار تمثال أن أشرب من نبع أبولو اله الموسيقى والنور ، ثم قال عندنا موسيقى ليست لأحد غيرنا ، فرجالنا يستعملون كنارة صغيرة جاسية جلفة لا فن فيها و لا صنعة ، لكنها لا تخلو من سحر : إن لها طابع الرجولة ، على النحو الذى طالب به أفلاطون فى تربية الأحداث مثلك . ولسنا نؤثر الموضوعات الرقيقة المتفسخة العاطفة ؛ بل مدح الكبش القوى والتيس ، والتغنى بالكلب الجسور الذى لا يهاب الضبع ويخنق الذئب تلك هى موضوعات أغانينا .. قطع خيط الكلام مزمار راعى يحاذى القطيع أعلى الوادى فقلت من تكون أيها الثرثار .. فقال سونسيوس القورينائى ، ولا تلومن إلا نفسك على ثرثرتى هذه : إنها عقاب لك على حب استطلاعك .
ولم يطل بى المقام :
هانو بلا سيات وزادوا غلا ع العقل وصار ياس ما فيه الرجا
ردد الجبل والوادى أغنية العلم التى اكتسح بها الراعى السمع حين وجدت أذني بين يدى السائق ، يقرعنى على الغياب وذهولى عن الجماعة ؛ لهذا أجلسنى قربه وحبسنى عن نفسى وشرودها بثرثرته السمجة ، لكن البلمون العجوز صد عنى صرير السائق لما أخذ يكح ، يطلق الدخان و يئن فقد أعجزته عقبة درنة عن الصعود .
نشيج اجتاحنى وعبرة فى حلقى ثم اختنقت من البكاء ؛ بانت الغربة فى مطلع درنة والوحدة كانت بالمرصاد ، وجع أمسك بخناقى ، فى الطريق بددت توجسى الذى انبثق بغته كغول ينهشنى والذاكرة التى إنسابت تهدر بوجه جدتى وحضنها وبعلوة الزريريعية وكل أليف ، حتى أبى ملاذى الأخير بعيد الآن عنى ؛ فأكلنى الخوف ، وتجسد عفريت المجهول على شكل صل يعصرنى وورل يسوطنى بذيله الثقيل ؛ ثقلت نفسى بأحمالها فأتخذت وضع الجنين فى الكرسى الذى أخذ يقذفنى عنه . انكمشت أكثر فأكثر ، وتشبت بخيط سرى طوح به عقلى حين هدر صوت أبى يعنفنى : انت راجل يا وجه البنت ، وتبكى .
من الخوف نمت وفى ذيل الوادى ؛ وادى درنة أفقت على زغاريد .في برزخ اختلط البحر المالح بالبحر العذب كما اختلطت أصوات الدربوكة بالتهاليل ؛ في الوادى زغرودة ، ثغاء ، بقبقة عالية ونقيق وفي جنباته مزامير ودفوف ، ضارب الدربوكة يعلو حينا على الهارمونيكا التى تعلو موسيقاها في حين آخر ؛ لتمتزج زغاريد النساء بصوت رجال في صرخة واحدة : درنة والمنقار العالى … … وين خطم زولك ياغالى .. زغاريد بنات الماء ؛ الضفادع يغطى ثغاء الجديان والحملان التى يجرفها الوادى ، الرياح تعوى وهي تجرف الاشجار التي حفيف ورقها يصفع خد الماء ، فيما موج البحر المالح يصفع خد ذيل الوادى ، أصوات أجساد تنقذف في الماء لتمسك بالحملان والجديان التي يجرفها الموج إلى حيث يمتزج البحران ، الزبد ؛ المنى الذى ينسكب على شعاب الصخور ينقذف بقوة حتى تسمع تؤهات يتردد صداها مع بكاء وليد ؛ بقرة تخور وامرأة تتوجع ، الوقت غسق صبح ينبلج أو ليل يعسعس . لم أفق من غيبوبتى دستنى بين فخذيها وضغطت على بقوة واهتياج ، صفحة الفخذ مخمل ورطب عبق بالعرق الذى ينضح بالياسمين ، ضغطت ودستنى بعنف فانزلق رأسى محتكا بزغب حريرى لا يستبان بغير ملمس ، ولما انزلق رأسى ردنى ثقل أرداف من زبد ذائب من أثر حرارة بخار الماء الذى يملأ الحمام ؛ الماء الذى يتكثف على الردف قطرات يغطى عيونى وفمى ، وبين ضغط اليدين وكماشة الفخذين وثقل الردفين وشراهة الماء المنزلق من فالق الردفين ؛ يعباء فمى ، الهواء يسحب عنى وتأوهات تنسكب في أذني ، الزغاريد تعلو واجساد تدعك بعضها البعض في اندفاع ؛ النساء يندفعن إلى الامام إلى مدخل البيت فقد حضر الرجال وحان دخول العريس ، وقد أتممن اعداد العروس و ساقيها منفرجين من أجل يكون الفرج مهياء . كانت الخادمة الشابة في بيت خالتي قد جأ بها والدها للخدمة بعد أن طلقت ، لم تكن خالتي تقبل خادمة هجالة لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها ، وبدوية بشرتها في لون ونعومة الحنطة لولا الحاح والدها والحاجة لخادمة . ما ان قدمت الجارحة الشابة اللعوب للخدمة في البيت حتى وصلت في سفرتي الأولى وقد خرجت خالتي إلى بيت جارتها ظهر وصولى لتساعد الجارة في الاعداد لليلة الدخلة ؛ دخلة ابنت الجارة . وبقينا معا ؛ جموح الجارحة وتوقي للمعرفة ، اثارة العرس لأنوثتها والفضول الذى لعب برأسي ؛ بدأت بين اغماء ويقظة ؛ ألتقط الانفاس متى ما انزلق رأسي من بين فرجة الفخذين فتعيدنى وتهرصنى بفخذيها محمومة ، تجتاحها وحوحة فاستكين فتدفعني بيدها على البطن فازلق على الرخام الدافئ ، وبقوة تشدني بين ثدييها وتزداد تنهداتها حين تسكب في فمى نهدها ، حليب أو زبد يشخب في فمى فاغيب عنى ؛ أتحول بين يديها إلى اسفنجة تدعك جسدا يفور ويمور ، حين أفيق تعضنى في فمى فاغيب مرة ثانية ، و حين أفيق مرة ثانية أجدنى أمتطى مهرة تصعد متشبته بخيوط لا ترى وبي ، ثم تحط . بين هذا وهذا أدخل في سحب ، وتدخل أبخرة معطرة في أنفي ، وهي تمخر بي عباب ما لا أعرف كنهه وصرختها تشتد : يامموده حيه على ، حيه على يامموده . همدت فسقطت عنها مغشيا . العروس عارية في الحمام وخالتي ونساء آخر يرطبون جسدها ، في الأبخرة المتصاعدة أندس أرقب المشهد ؛ كان الياسمين الذى جمع ساعة طلوع القمر حتى ابيض شعر الليل قد رقد فى اناء وغطى بقماش من حرير ، ثم وضع في الماء منذ طلوع الفجر ومع الظهر سكب الماء فى جرادل ووضعت على مواقد النار وأقفل الحمام الذى صار أرض السحب الزكية ، ثم لف جسد العروس عارية بالياسمين ولف في الحرير ثم غطيت فامتزج عرق الياسمين بعرق الجسد الانثوى، اطلقت الابخرة من مسك ولوبان وقمارى في الداخل ، في الخارج اطلقت ابخرة الفاسوخ والجاوى لدرء العين .في وسط الحوش وتحت الياسمينة وضعتنى وغطتنى ؛ لما أفقت هللت عيناها وانبثق دم في وجنتيها مثل وردة : حيه على ياحميدة شن درت فيك . العروس ممتدة على مصطبة من رخام ، ممتزجة في عتمة البخار مع الرخام وتنضح عرقا والماء يسكب على جسدها البلورى الناعم ، والوادى يهدر من على بعد ؛ تجمع الماء في ظهر الجبل ثم سال في مجارى والتطم في عراك عند حلق الوادى ثم تدفق يطلق هديره وزغاريده التي ركب من الضفادع يردد أصداها ، عربد الماء عند دخوله المدينة ؛ وهو يأخذ في طريقه كل شيء حتى فرحة الناس به ، وانتظارهم مجيئه بفارغ الصبر ، اكتسحها بمشغباته وهو يضرب هذا ويلسع ذاك ويشتت شمل الفقراء ، يطلق الزغاريد ويتقافز ويداعب بناته فيطوح بهن في الهواء العالى ؛ كذا الموج يعلو ويعلو حتى يلطم الجانبين ، وهي ترتجف ؛ أخرجت من بين نهديها أوراق مالية ومنحتها لى وهرولت إلى حجرتها ؛ جلبت عصير لوز وملئت كوبا وسكبته في فمى ؛ وهي ترتجف . الامواج طالت الشوارع والبيوت ، سال الماء وتكونت غدران ؛ فيما واصل الوادى زغاريده والسيل تصفيقه كانت العروس تنضح بعرق من الياسمين ويغذى شعرها بالقرنفل ، قدمت لى أنواعا من الحلوى و مرتعشة قالت : وحق جدك وصحابة درنة ما تقول اللى صار ، وقبلتني على رأسى ويدى وقدمى . خرج العريس فاندفعت النسوة وتعششن حول العروس وكذا فعلت ؛ العروس عارية وبين فخذيها دم حيث أيد ناعمة بيضاء مزخرفة بالحناء تفتش والعروس تفتش بيديها فى الفراش وهي تصرخ : فرفوطة الخاتم ؛ لعلع في السماء رصاص وانطلقت زغاريد لما رفع على عصا علم الشرف ؛ ثوب العروس الملطخ بالدم . خرج الوادى على المدينة حتى غدت بحيرة ، الوقت غسق صبح ينبلج أو ليل يعسعس . من الخوف نمت وفى ذيل الوادى ؛ وادى درنة أو في مخرجها عند العقبة اختلط على الامر كما اختلط البحر المالح بالبحر العذب والجبل الوعر بالسهل . قافلة في مدى البصر أم حلم ؛ تداخل بين جمال عالية حمالة غرر وحوائج أخر وأبنية مرتفعة ؛ دور يعلو دور وعلى الاسطح ملابس منشورة ، لم أتبين المشهد حتى اقترب وزبدت جمال وناخت أخر ، سرب الجمال تسرب في الطريق كالنمل الضخم الجثة ، يحاذيها رجال أشبه بهياكل عظمية خرجت في التو من مقبرة وخلفهم أطفال في عمرى تطاردهم أسراب الذباب ، حلقي الرؤس مثل أباهم ولكنهم نصف عراة يعبثون بأعضائهم ومناخيرهم ، خلف سرب الجمال وسرب الرجال وسرب الاطفال وسرب الذباب ؛ نساء على ظهورهن أطفال أو حوائج وقد لف كل واحدة منهن رداء أحمر قاني ووجههن مليئة بالوشم الاخضر الزاهي ، على الجمل الذى في المقدمة والذي يزبد غضبا ويصدر أصواتا تهز الافئدة وتدفع بالخوف في النفوس ؛ على هذ الجمل كرمود في داخله شابة حلوة التقاطيع تظهر وجهها بين الفينة والاخرى من فتحة الكرمود ، وفي جانب الطريق يقف الكثير من الناس ينظرون بدهشة - كأنهم جمعوا في انتظار موكب الملك - وقد عقدت ألسنتهم ، بعد هنيهة وجدت نفسي مع أطفال الصابرى أخر سرب في القافلة التي لم نر لها مثيلا ، ولم أسمع عنها إلا في حكايات الجدة ، و لما ناخت الجمال كانت بمحاذاة أرض رملية خالية بالقرب من زرايب العبيد وبالقرب من شاطئ البحر . عدت مسرعا لجدتي أحكي
عن القافلة التي قدتها مخترقا المدينة ومحالها التجارية ، وفي الطريق وسط السيارات والموتسكلات والدراجات وقد أوصلتهم سالمين بعد كادت ناقة أن تدوس الناس حين شاهدت وجهها في زجاج الفترينة ؛ زمزمت واندفعت حتى زلقت لكن رجلا اندفع وهو يصيح : زع .. زع ، فنهضت الناقة التي اندفع خلفها قعود أبيض وخلفه زمرة من الصبيان المشاكسين ، قاطعتني جدتي : خرف ياقعيم ، فقلت بغضب : وحق سيدى اعبيد الا صحيح . وخرجت بالنباء ابحث عمن يصدقون : قافلة في بنغازى عرجت من طريق الصابرى على البحر حيث بئر الكلبة وناخت جمالها هناك ، في القافلة قعدان أحدها أبيض وفيها بنات وصبيان ، وقدت قطيع صبيان وبنات العلوة خلفى حتى عين المكان ليروا بأم أعينهم ما لم ير من قبل حيث أحطنا بصبى من أهل القعدان والجمال . ذكر لنا أنهم قادمون من العجيلات شمال جبل غريان وأنهم ساروا أياما وليال ، وقعدت قرب محمد انصت لحكايته وقد أنسانى القعدان في حين ذهبت عنى جماعتي للبحث عن القعود الابيض . ركبنا القعود الابيض وهو يخب كان يقوده محمد وأنا أحثه أن يسرع حتى نلحق بشيبوب وعنتر قبل أن يصلا مضارب عبلة ، ألحيث كثيرا ونحن نقطع القفار بأنى سأتزوج عنيترة وأن يتزوج محمد من يشاء من بنات عبس ، لهذا تسللت من بين بيوت الشعر عازما على اختطاف عنيترة والكل نيام لكن أحدهم قبض على من الخلف وضمنى له ، عاركته حتى رمى على غطاء أبيضا فلم أر شيئا ، تخبلت اثر محاولاتي للتملص من الفخ ؛ أخذت أجرى وخلفى أسمع صوت جدتى تلح أن أقف وأن لا أخرج للشارع بالنصوله غطاء السرير الوحيد فى البيت ، كنت أعرف أن هذه حيلة من بنات فكر شيبوب أبو الحيل ؛ لهذا هرولت مسرعا ، أحاط بي صغار الحى يتصايحون فاندفعت نحو امراح الابل لكي أركب الابيض مفر مدبر معا لما حصرت وأسرت . أفقت من النوم وعلى عجل تركت البيت وصراخ جدتي يلاحقني يطلب مني العودة . لم أتوقف إلا في نجع العجيلات ، وفي عشة صديقي محمد الصرماني الذي عرفت في ما بعد بأنه صرماني ولكن أمه عجيلية تضرب الودع ، تقراء الكف ، ترسم في الرمل ، تسمع النواة وتعرف المقدر والمقدور ؛ دخلت البيوت فسرقت الافئدة ؛ أفئدة النساء لمعرفتها البخت والمكتوب وأفئدة الرجال لجمالها وسحر عينيها ؛ وعرفت بأنها أمرأة لعوب كبقية شابات نجع العجيلات غجرية السلوك ، ترقص وتغنى وتضرب الطار والدربوكة حتى تطرب أجساد النساء وتخور أجساد الرجال ، ورجال نساء النجع منصرفين للدلالة ؛ لبيع العقيق وحوائج النساء وجلب الخمور للرجال والاحجبة . وقد ذابت القافلة حين عجنت بماء بنغازى المالح وبعذوبة وهادها ؛ الابل بيعت ، الاطفال سرحوا بالغنم وماعز الجيران بعد أن دسوا في المدارس وفي السنة الاولى الابتدائية ؛ انخرطوا في الدراسة وقد وصل عمر بعضهم الثانية عشر ، أما صديقي محمد الصرماني فقد أخذت أعلمه كل ما أعلم وما لا أعلم .
تعددت الالوان ولون بنغازى واحد ، ملحها ذاب في ريقي كالعلقم ، تعددت مشاربي والايام واحدة أو أنها يوم واحد . حياة الحواس وحياة الروح ، توق النفس وغرابة الواقع تشابكت في نفسى ووطأني جوع مأهول لمجهول أو شئ لا أدرك كنهه ، انظر باستغراب وريبة لجدتى وهي تحاذينى مذهولة عنى ؛ بدأ أنها تغوص في رمال الذاكرة المتحركة وأني أرقب باندهاش لمرآة داخلها مرآة ، داخلها مرآة دون حد واني في دكان حلاق أعيش ، تجرنى أحلام تلو أحلام من أنفى حتى يحمر ويرعف بالدم ، بالصوت العالى أتحدث مع هذه النفس التى أخذتنى عن نفسى ، لم أعد أطيق أحدا وفي عراك دائم مع هذا الطفل الذى يشاكسنى ويشاغب فى صدرى يريد أن يخرج ، بعد أن مات جدى لأبى وبعد أشهر ماتت زوجته عائشة ؛ أم أبى ؛ بدأ أن كل شئ راحل ، لم يكن ثمة علاقة تربطنى بهما ولكنهما ماتا في الوقت المذهل عندما لم أجد ما أفعل ولم أعد مطمئنا لشئ ، المدرسة ممللة كما جدتى الزائرة والرتابة تضرب البيت وتصفع الحياة ، دخت في ما يجرى حولى وأخذت أحدق فى الفراغ ، أنقر الفراغ بشراسة مولود يرفص الهواء وهو مكتوم الصوت ولم تخرج صرخته الاولى بعد ، وكأنى جثة هامدة فى جبة هرمة لا أحد يعيرها اهتماما . لماذا جئت بنغازى وتركت بيت أجدادى في غريان حيث كل شئ طلق وكذا الروح طليقة ، غريان مهدى وغريان لحدى ، حين هممت بتركها خلفت حسرة في النفس ، كنت أفر من الموت والموت في ردنى ؛ أمن أجل حجرة سقفها تبن البحر ومطبخ لا سقف له وكنيف شبيه القبر ، هذا هو المدفن ، أمن أجل هذا ؛ أدفن وأذرف دمع عمر الحسرات و تاؤهات امرأة مطعونة بجسدها ، لم تكن غريان بسقوف لكنها ثابته تحت الاقدام وما تحتى - الآن - سباخ طبقة على طبقة ، الروح جفت ، الملح طبقة على طبقة ، الجسد هرم ؛ ماتت الحواس واشتعل الشيب .. وصيورك لوكرك ياطير .
لم تعد هذه بنغازى ياجدتى - كذا كنت أقول في داخلى وأفصح لنفسى عن مكنونى و ما يكوينى أنها لم تعد تسمعنى ولم أعد أسمعها ؛ أصرخ في واد وتآذن في جرة – كذا كنت أقول في نفسى التى هي أيضا لم تعد تسمعنى ؛ وأنئذ دهست سيارة الكيول حمالة الحطب عيسى الاشقر أخى الصغير ؛ وأنئذ تحولت العلوة لمهبط للشاحنات ومكب لزيوتها المحروقة كذا كنت أقول وبنغازى قد أعطتنى بظهرها ، كل شئ لم يعد لي حتى أوجاعى أتكتمها فالكل أصبح لهم أفواه ثلاث ، المعلم غضب برم ، ناظر المدرسة مشغول والأخرون على عجل ، أجر ظلى تارة ويجرنى تارة : السيل يجرف كل شئ جرفا ، الماء يعلو يتشبت بأعلى الوادى ، حتى غص الوادى ، أتشبت بشعرها ، وهي تفح بزنديها تظغط وتهرصنى ، العرق يحرق عينى ، يدها تمتد نحو عضوى وخصيتى تقبض عليهما متشبته بهما ، تتشبت من حلاوة الروح وعذوبة الحياة بعمود بيت الشعر الذي جرف من الحافة العليا للوادى وهي تصرخ ، كنت ائن من ثقل الردفين وقبضة الفخذين ، حين صعدت كانت روحى تصعد معها ولما اخترقت السقف سبحت فى هواء مثقل بماء لزج انساب من ثغر يحوطه الزغب ، روحها تطير وهي تمسك بالعمود آخر قشة في بحر متلاطم من مياه الوادى ومياه البحر في برزخ ملتقاهما ، درنة تغرق في شبر من ماء فما بالك .. لما يطلع الوادى والسيل يجرف قافلة من جمال هائجة ومائجة تسكب غضبها في شوارع مزدحمة بالرجال والصبيان المتشردين ، تدوسنى في مرقدى حتى أعبيه بمائي فيغدو الفراش سبخة من صنعى ، وتدق أوتاد بيوت الشعر في السرير الذى غدا سدة تقبض الانفاس ؛ وألعب في هذا المراح وصديقي الصرماني لعبة الهنديان والكاوبوى من أجل الفرخة التي في أخر المشهد يعضها البطل في فمها ، ويقرصنى الخوف في حبة الفؤاد . ومن على جبل القعود الأسود نطل على المرج قارة في لون الدم ؛ هذه بطاح برقة الحمراء قلت فاحذر يا محمد ؛ لقد نهض العجاج من قمقمه وسد الفم من أثره عن الكلام ، عطر الغبار أحاط بكل شئ ، والتعب بلل النفس لما جف الحلق . الارض تميد تحت الاقدام ، حين تغيب البركة ويغضب صلاح البلاد ، لا محالة السخط كذا أخذ يقول كشيرمه الولى الذى يخافه بعض رجال السلطة قبل غيرهم من الناس : مدت الخيوط والماء صعد مع الحيوط ، والمرأة لها عين ترى ، فكت الخطوط لم يعد كلام الله سر الخاصة ولم يعد يخيف العوام ، صار كلام النصارى أو من يسمونهم علماء الذرة والفجرة كلام العامة ، صعد الحديد السماء فلا محالة العذاب جاء والآخرة قربت . إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها ، وقال الإنسان مالها ، .. صدق الله العظيم كان أبي يقراء هذه السورة القرآنية الكريمة وهو يرتجف وأمى تبكي لما كنت وجدتي ندخل البيت مذعورين مقرورين ؛ المطر عاد من جديد وليبرر غيابه حول السماء إلى غربال ، السماء انهمرت فجأة حتى اندمجت في الارض ، غاب الافق ولون الظلام الدامس المشهد بلونه ولما انقطعت الكهرباء أخرج لسانه ولعق أي نور في كل الامكنة وأطلق الزمام لأهل الليل يعبثون ويشاغبون . حين خرجت وجدتي من بيت أبي متجهين نحو بيتنا ممسكا بحبل السرة ردائها بعيد آذان العشاء لم أفطن لما حدث ونسيت ماقبله فلقد اصبت بالصمم إثر سماعى سقوط شيئ هائل عند رجلى عرفت في ما بعد أنها بلوكة : حجرة من حائط بيتنا الجديد الذي يبنيه سى محمد الاوجلى ؛ هذا الحائط الذي انهار عقب اجتيازنا له بخطوات ، لم يصدق أحد نجاتنا من الذين أخذوا يتدفقون على بيت أبي للتحميد والتهنئة بسلامتي . ارتجت الارض وارتعشت السماء وأطلقت صواعقها وولول رعدها ؛ انهارت سقوف المرج ومن صداها فجعت بنغازى وسقط حائط بيتنا وغشيت الناس ، مفردة الزلزال مفردة قرآنية بيانية لم يكن لها وقع إلا في أذني حتى كشفت الارض عن أنها القبر وعن شهيتها لأكل الانسان كما البحر ، لم يعد ثمة ملاذ خرمت السماء وحرك الثور قرنه بغضب لم تعتده البلاد التي عاث الزلزال بها افسادا ، الجيش الانجليزي خرج عن أسواره وهب من قواعده ببنغازي نحو المرج المنكوبة ، كنت وصبيان الحي نرمي الرتل الذي يمر في الطريق عند مقبرة سيدى اعبيد بالحجارة هاتفين ضدهم ملوحين بأيدينا الصغيرة ، كما فعل الطلبة الكبار الذين يتظاهرون تأييدا لناصر العرب ،أو كما سمعت من خالي العائد في المساء باعتباره من جنود القوى المتحركة التي خرجت لتعيد للطلبة رشدهم الذي طار من أثر اذاعة صوت العرب ومكرفونها المدعو أحمد سعيد وصرخته ياعرب ، تجمع أهل البلاد في المرج لمساعدة المنكوبين . أطاحت رائحة الزلزال عقل بنغازي التى لبست الذهول عقالا ؛ تشققت الارض وتشققت الاجساد من البرد كما تشققت الانفس من الخوف ، طلع العفريت الاسود وماجت الدنيا ، لم تتوقف الارض عن الارتجاج كلما تقدم العفريت خطوة نحوى . الرصاص لعلع للمرة الاولى في شوارع المدينة منذ الحرب الاخيرة قال أبي كيف يأخذ بنو صهيون ماء العرب ، ألم يأخذوا أرض فلسطين ؟ ، أخذنا نطارد رجال البوليس والقوى المتحركة : كنداري طاقيته اسفنزة ، وقد تعددت الدوريات في شوارع المدينة الكئيبة بعد أن سقط بعض الطلبة قتلى وجرحى ، أخذ أبي وصحبه يلعنون في بيتنا الحكومة ويرددون اسماء بوقويطين والفزاني ، ولم أفهم شيئا . بدأ أن الزلزال لن يتوقف فقد وجدتني مرة ثانية في وسط القافلة ؛ جمالها من نوع كيول وداف وفيات تحمل المؤن التى تبرع بها الناس من أجل منكوبى المرج ، أو محملة ببعض هؤلاء المنكوبين الذين لاذوا ببنغازي التى سكنها القلق أيضا . اختلطت الخلائط وتحولت الشوارع إلى عجين من طين وبشر ، وأخذ سبات عميق الشمس فلم تلح في الأفق المعتم . تعطلت المدارس وسجن طلاب ومدرسون وأعلنت حالة الطوارى ، سكن الخوف المدينة والتمرد النفوس حين وصلت أنباء أخر أن طلبة من مدينة الزاوية فى أقصى غرب البلاد سقطوا صرعى رصاص البوليس ؛ اثر تظاهرههم ومحاولتهم الوصول إلى القاعدة الأمريكية : ويلس في عاصمة البلاد طرابلس . أبي تحول إلى أذن للراديو يحرك مؤشره بين إذاعة لندن وصوت العرب معاركا خالي وعمى في حوار طرشان حول ما يحدث . بدأت أفهم أن هنالك أمرا جلل يحدث وأنه لابد أن يكون لى دور ؛ ما هو ؟ لا أعرف . تجمعنا صبية العلوة نتدارس الأمر واسترجعنا محفوظاتنا فلم نجد أفضل من أفلام الكاوبوى ، لهذا انقسمنا ؛ جماعة منا هنديان حمر وجماعة كاوبوى واشتعلت المعركة ؛ جميعنا يريد أن يكون كاوبوى و لا يفضل أحد أن يكون من الهنديان فاضطررنا للقرعة حلا . فجأة تذكرت صاحب أبي ناصر زعيم الفقراء فارتضيت أن أكون زعيم الهنديان وهكذا حلت المسألة ، لكنى رفضت الهزيمة والموت كما تقتضى قوانين اللعبة فبأ الأمر في مجمله إلى الفشل . ازداد الغموض على وقد تلبدت سمائي بغيوم الحيرة ؛ أصرت جدتي على البقاء لأيام أخر في بيت أبي الذى زاد غضبه وتسلطه ، وغاب خالي عن البيت أياما مما شغل جدتي وأمي ، لم يهتم أحد بازدياد حيرتي والصمت الذى عشش في داخلي وفقس بيضه وجوما مضطردا ، لأول مرة أعرف الوحدة رغم ازدحام البيت بأهلي وغيرهم ، اتخذت الكتاب بيتا سكنته ولم ينتبه أحد لغيابي مما زادني غيابا عن من حولي ولم أعد أجد للطعام طعما ، أزلت طعم الوحشة المرة بطعم الكلمات والأحرف وقصص الكيلاني الطازجة . تعرفت على شكسبير وتوفيق الحكيم والهند والصين في هذه القصص وسررت بمعرفتي لمصادر معلم المدرسة . كنت المعتزل الصغير وسط موج واصطخاب البيت ، ووسط كآبة الشارع وخوف الناس على أطفالهم الذين منعوا من الخروج ، وكنا نلتقي خلسة لنتبادل المواجع ونضع الخطط تلو الخطط للفرار من جهنم السجن الذى صرنا فيه ، وكم شدنا الحنين إلى المدرسة ، كم تمنينا أن تفتح أبوابها مرة ثانية ، كم تمنينا أن نكبر بسرعة لنفهم السر ؛ كل ما يحوطنا سر في سر ، وأهم هذه الأسرار حوائط الباستيل السجن الذى نعيش والذى قرأت قصته لزملائي : قصة مدينتين لديكنز كما جأت ملخصة في كتاب لكامل الكيلاني ، واتخذ كل واحد منا قرارا بأن يكون البطل . لم يكتمل المشهد حتى فتحت المدرسة أبوابها وطلب منا العودة للدرس و لأول مرة التقينا في الشوارع مهللين مغتبطين ، التقيت بزملائي وكأني كنت تهت عنهم السنين ، وفي رغى لا يتوقف تكلمنا عن أى شئ ولا شئ . لم يكن يوما دراسيا معتادا فقد خيم الفضول علينا كما خيم الارتباك على المدرسة واجتاح الغموض مرة ثانية المكان ؛ ثمة هرج ومرج في إدارة المدرسة وحوار صاخب يعلو حينا وينطفئ بين المدرسين وناظر المدرسة ، لم نتبين ما يحدث مثل كل مرة ؛ لكن صوت معلمنا الاكثر غضبا بين الاصوات الاخرى فيما صوت ناظر المدرسة هادئ ولكن مضطرب ومهتاج . فجأة دخل الناظر الفصل وطلب منا الخروج إلى فناء المدرسة حيث تجمعت بقية الفصول وطلب منا أن نردد نشيد البلاد :
يا بلادى بجهاد وجلادى ادفعى كيد الاعادى والعوادى
ثم حمل بعضنا العلم الوطنى كما حمل أخرون صور الملك ، وقد تسابقنا من أجل فعل ذلك ، اقتدنا إلى اتوبيس كبير ، وكم فرحنا بهذه الرحلة المباغته التى لم نحلم بها مرة في غير زردة المدرسة السنوية لملقاة الربيع . في الاتوبيس أخذ بعض المدرسين يهتفون بحياة الادريس مليك البلاد وكنا نردد خلفهم حتى وصلنا شارع الاستقلال فانزلنا صفا صفا نحمل الاعلام والصور هاتفين فرحين بالدور الذى أوكل لنا ، مزهوين بأننا أخيرا صرنا من الرجال ومن الجيل الصاعد كما يسمى الصبيان الاكبر سنا منا . بانضباط قطعنا شوارع المدينة ، هكذا مرة ثانية أسوح في شرايينك يا بنغازى ، عند الكورنيش اختلط الحابل بالنابل ؛ جمع من مدارس الاطفال مثلنا والصبيان الاكبر وكذا البنات اللواتى نلتقيهم لأول مرة ، هذا الجمع تفكك وساح عند الكورنيش ثم تبعثر في ميدان الشجرة مع محاولة المدرسين وبعض رجالات البوليس ترتيب وتوظيب الصفوف ، ولم يفلح بعض رجالات المرور الراكبين الموتوسكلات وهم يطلقون مزاميرهم في اعادة بعض من سرح منا . أخذنى تماوج الازرق مع البياض ؛ أرض الكورنيش وصفاء البحر المستكين في وداعة المستريب ، الاخضرار الممتزج مع أسود الطريق ، كذا مطرزة بالاحمر كانت ألوان العلم الذى كلا متنى فوضعته جانبا ، سرحت فى غي المكان وتلاعب ظلال نخل الكورنيش مع صوت موسيقي قرب البوليس التي تنساب عن بعد ، شدنى الانفساح ؛ اتساع الطريق النظيف والمسفلت بنعومة كحية رقطاء بمحذاة اليم المستكين ، وذهلت عن الجماعة .
عم الظلام ولم يعد وأخذ الجدة البكاء ، ولولت الأم . عادت مسيرة الاطفال وقد غلب النعاس أغلبها ، وقد طاش صواب المدرسين وغلبوا على أمرهم ، وكان أخر المطاف الميناء حيث هناك فقد أحد أطفال مدرسة دكاكين حميد الابتدائية ، غيمت السماء والنفوس وبددت الحيرة ما تبقى من صواب : أين ذهب ؟ . قل أين ضاع ؟ ، لا أحد يتحمل مسؤلية ما يفعل ، وكل شئ لا يسمى باسمه . الزبد غطى الافواه كما غطى الامواج التى أخذت تعلو ومن أثر ذلك سكب البحر الغضب على جنبات الشاطئ فيما جرف الغضب الأب في شوارع المدينة عن غير هدى والخال الذى عاد من ثكنته . جمع وقف أمام باب البيت وفي المربوعة من الرجال وامتلأ داخل البيت بنساء الجيران والاقارب ، ولولت الريح فوجلت القلوب ، تباشير عاصفة في الأفق ولا شئ يحدث ولا أحد يجئ .
لامت الجدة ابنتها على تركها إبنها يربيه الغريب ثم في وجد غنت نشيدا بلغتها الغريبة وكأنها تستدعى كل غريب أن يعيد قريب قلبها ، اربك الغناء النحيب النسوة فانكمشنا وتدثرنا بالصمت . لامت الابنة أمها على أنها دلعت إبنها وأفسدته فضاع منها وعاد أطفال الأخرين ، وأخذت تولول والنساء يحاولنا اسكاتها ، زادت الريح وطرقعت صاعقة فسقطت القلوب . كان الاب قد صرح بغضب متشجنا أن الفرخ لن يعد لبيت جدته أبدا من فور أن يعود ، وحلف لأجل ذلك الطلاق بالثلاثة ، أثنى العم وغمغم الخال .. وطلب الجار الصبر ..
لملمت المدينة ردائها الارجوانى وتدثرت لحافها الاسود عادت الطيور إلى أعشاشها بجبانة سيدى اعبيد والنوارس سكنت عن حراكها عندها ظهر طوير ليل وحيدا في الفضاء . أغلقت الابواب وانطلقت القطط والكلاب في الزوايا وعند مجمعات القمامة ، وقف الخفير بهراوته في مدخل السوق المغلق يرقب المكان الذى غادرته الشمس على عجل فيما بقية من خيوط ثوبها الشفقى علقت بنهاية المدى . عندئذ بدأ سريان منع التجول والأب والخال والعم والجار والقريب لم يعد منهم أحد ، وانتشرت القوى المتحركة في الشوارع الرئيسة بالمدينة ، شقت سيارات البوليس الطريق ولم يعد أحد وليس ثمة خبر عن الغائب .

ـــــــــــــــــــــ
ـ بنغازى في 18- 6 - 4 - 2000 م ص ص ب : 9331 بريد عبد المنعم رياض - بنغازي
محمول : 0925117123


mail :
afaitou hotmail . com

















هذه الرواية



·

تنطلق رواية " سريب " للكاتب الليبي أحمد الفيتوري أساسا من سؤال إشكالى يتعلق بجدل الأزمنة وخاصية التشكل الذهني والعاطفي ، في إطار هذا الجدل الذى يحدد أحد مستويات السرد الذى يشبك نسيجه في جدل آخر مع مستوى سردي يتعلق بذاكرة مكان حائر اسمه ليبيا يتكثف كوزموبولتيا وبكل تناقضاته في مدينة بنغازى التى تنعتها الحكايات الشعبية برباية الذائح .

ينمو الطفل في كنف جدة تقاوم الوحدة والموت بالسرد ، وتحاول أن تصدر جسدها المهزوم إلى حفيدها اليانع ، ويتم ذلك في إطار اللعب .. تعويذة الاجساد الشارفة ضد الزوال ، التى تتلهى بالسياحة عكس عقارب الساعة ، بينما الطفل الذى يتحول إلى أذن مشرعة بحجم الذاكرة يتشكل في بيت الجدة ؛ مملكة الميثلوجيا الصغيرة ، حيث الخوف من الليل المبكر والاشياء المسكونة بالاشباح واحتضان براعم الضؤ الأولى والاسئلة النازفة من عينيه الفضولتين .. الطفل المصغي بمرح إلى رنات مفتاح صندوق الذاكرة المزخرف المسكون بالاسرار والروائح الصامته ، الطفل المتلصص من ثقوب الصفيح على نزوات الأب ، والهارب من عصا السلطة إلى حضن التابوت ليتشكل في ذروة التماهي مع تشكل المدينة مستودع الملح والذائحين .. المدينة التى تنبثق من الاساطير وسط هذه السباخ ، والتى تتحول فيها الحكايات إلى عرجون بلح يهش الرمال عن عتبات البيوت .

رحيل الجدة في المكان الوعر المحاصر بالظمأ والجوع والموت إلى فردوس غامض وسط بحيرات الملح يكمله الطفل في رحيل آخر إلى مدينة في الشرق ، وفي الحالتين يشرق الجسد بشهوته ليقاوم الموت وهاجس الزوال .. الجدة التى تنهض فجأة من احتضارها أمام عيني الرجل الطافحتين بالشهوة ، والطفل الذى تغتصبه امرأة في مدينة الحلم ، عندما كان الفيضان يهدد الجميع بالزوال .

انها رواية الاسئلة التى تتشظى باطراد ، والتى تنسج من الذاكرة والاساطير والتاريخ وسيرة الجسد والمكان الطارئ والذوات التائهة نشيدها الذى يتصاعد مع الدفق الشعرى المبثوث داخل تقنيات سردية دوارة تحفر زمنها العمودي في المكان الممتد أفقيا بحثا عن هوية ما لهذا المكان المغلف بالاساطير ، أو سعيا لاكتشاف الذات الذائحة فيه .

* سالم العوكلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوجلة السمكة الحجرية

مهداة إلي احد عشاق حكايا الزمن المسمى التاريخ: الأستاذ محمد عبدالكريم الوافي. ـ
ــــــــــــــــــــــــ


أحمد الفيتوري

الذئب الجريح أخفي
عواء وحدته
في عرى الصحراء
وفي كاف الجنون
أطلق سراح الروح


الظلمة مسبار الطريق؛ الخيط الأسود موغل في عتمة التراب، ما من شيء غير اللاشيء، كل ما يبدو العدم، الفراغ المضيء حيث كبد السماء ، حيث كسف الله الشمس.
لم يكن ثمة أفق كنا أفق أنفسنا، والسكوت هو السيف البتار الذي يؤجج دماء هواجسنا. لِمَا تكثرُ الجزر في بحر الرمال و لا تأمن من خوف و لا تطعم من جوع؟، ولكن هل جزر البحر الأبيض المتوسط النادرة تمنح ذلك؟. ما بين بحر الماء المتوسط وبين بحر الرمال المتوسط وشائج.
كذا كانت تقول النفوس؛ النفوس المنهكة من الاسترخاء ووفرة الطعام وندرة الخوف من الطريق.
هناك أوجلة تسبح في مخيال التاريخ؛ واحة للنسيان وواحة السراب لقوافل ضيعها الضوء الساطع، ضيعها وضوح مخبول، تلكم القوافل تقتات بفكرة الجنون : أن ثمة جزيرة في بحر الرمال الليبية تدعى واحة أوجلة؛ حيث عيون الرمل تدمع بماء عذب وعيون النخل تدمع بثمر حلو، في مخيال رجال القافلة يجري الماء الزلال معجونا بثمر نخل يظلل أحلاما عطشي ، ومن الخضرة والماء يتشكل وجه حسناء يفلق السماء فتنبثق رمانة الصباح.
أوجلة الكذبة التي تكثف السراب وتحيله لصدق يدغدغ النفوس اليائسة، أوجلة أمل مسكوب في تاريخ هيرودوت والناجين من غدر بحر الرمل الليبي. في هذا المنفي يكمن الوجود؛ غضب السفاح غرسياني من غيث الصغير من يزود المجاهدين زاده؛ من يدس زاده في زوادة حشاه ويخرج عن معتقل العقيلة ، المعتقل الصحراوي الذي جمع فيه الجنرال غرسياني كل القبائل الليبية كي يقطع عن المجاهدين زادهم. غضب غرسياني فحكم بنفي غيث إلي أوجلة، كان غيث يبتسم وغرسياني يزداد غيضا.غيض الجنرال مبرر لأن ابتسامة غيث غير مبررة. لكن ما لم يكن الجنرال يعرفه أنه حكم علي غيث بالعودة لمنزله، غيث من أوجلة والمنفي أوجلة.
حينها كان الفضيل بوعمر، قرب سوسة علي شاطئ المتوسط، يقطع الطريق عن الجنرال كي يفلت الشيخ عمر المختار من كان نائبه الفضيل بوعمر. فلت الشيخ، وتمكن الجنرال من نائبه جثة كانت متراسا مكنت الشيخ من الانفلات. عرف الجنرال أن الفضيل بوعمر، نائب عمر المختار شيخ المتمردين علي سلطة ايطاليا، من أوجلة المنفي الذي يكمن فيه الوجود، لهذا قرر نفي المتمرد الفضيل بوعمر عن أوجلة ، قطع رأسه وعلقه في ميدان البركة بمدينة بنغازي، وتركت الجثة لبحر الماء الأجاج الأبيض المتوسط، دفن في الماء، فدفنه في رمال بحر أوجلة يقال: يعيده حيا.
الطريق سكين يشق لحم الرمال ما بين اجدابيا علي البحر المتوسط وأوجلة علي بحر الرمال. متاهة تذهل البصيرة قبل أن تعمي البصر. والمفازة تظهر مفاتنها نهود بيضاء نافرة وأرداف سيوف تقطعها ، ما بينهما فجوة الهيولي ، هنا حيث يكون للاشيء معنى: أن لا معنى لشيء ، ففي هذه المفازة تكون الحياة التجسيد الجارح للعدم. ما بين اجدابيا علي البحر المتوسط وأوجلة الجزيرة الأقدم في الصحراء الكبرى؛ الصراط المستقيم الذي هو خيط مشيم من نطفة العدم الأولي حتى انقطاع كهرباء الروح : لهذا تقول أوجلة ما من خلود فما جاء من العدم يمخر عبابه. كنا نقطع الطريق ما يجرح نفوسنا المستكينة للسراب أكثر حقائق الصحراء تجليا،محمد المفتي الكاتب يوغل في المفارقة، التي تجسدها التقنية حين تعصر روح الطبيعة، فيكون العصير هذا دون أفق حيثما وليت البصر. هنا في هذا الفناء تنبثق الحياة كالروح صاعدة للسماء ، كأن الحياة هنا لا ساعة الميلاد بل ساعة الموت، هنا في هذه المفازة كأن أوجلة براح الروح المفارقة، في أوجلة تستظل الحياة لحظة النهاية، كذا يكون عطية الأوجلي يفكر وهو يسهب في شرح : هذا المكان يدعي ثديان الخادم ، انظر انهما ثديان أسمران لجسد أبيض بض.
النخلة لم تسكن الجبل.
أرادت أن تكون؛
اليقظ،
في الصحراء النائمة.
النخلة تنتزع كيانها من جذر الأرض كي تسكن السماء ، تهز أوجلة جذعها فيتساقط الثمر، ويكون نواة يندس في الأرض، ومن حرارة الروح يمتص رحيق الكون ؛ الماء المتخبئ في مسارب وعروق الأرض. الأوجلي إن شاقه الوجد وعبث به العشق كما عبث بي شق، جذع أنثي الصحراء اللعوب ، عصير النخلة – ما نسميه اللاقبي -، روحها حلو مركز ، إن مست الشمس العصير أذهب روح شاربه، النخلة مانحة الجسد الظل والثمر تمنح الروح خمرا تذهل الروح.

النخيلة القصيرة القامة،
قالت للريح:
المرأة الممشوقة القوام،مثلي؛
تهفها خفة الروح،
تثقلها سلافة القلب.
فاستكيني، عند محاذاة ظلها.


ضاع هيرودوت عن نفسه في زيارته الأولي لقورينا؛ أثينا الليبية، بعض سكان ليبيا من ليسوا إغريقا، ذكروا له أنهم يعيشون في بحر الرمال بعد مدينة هسْبرِيدس، حوالي 200فرسخ أو أقل قليلا ، تهجاء له أحدهم اسم جزيرتهم فكانت أوجلة. خط ذلك في الكتاب الرابع من تاريخه وهو يدور بكامله عن ليبيا ، لكن ما لم يصدقه هيرودوت : يوجد جبل من حجر ملح بعد عشرة أيام من السير، والناس يسكنون عنده. منازلهم مشيدة من قوالب الملح هذا! . لأن سكان هذه المنطقة من ليبيا محرومة كليا من الأمطار بنوا منازلهم من الملح . لا تبقي الجدران وهي من الملح قائمة لو كان ثمة أمطار أليس كذلك؟.هل هيرودوت سأل نفسه الضائعة هذا السؤال أم كتبه وهو المذهول.
قبل ذلكم كانت أنهار تلعب هناك، مصادرها جبل الهروج أو الجبل البركاني الأسود، وقد يكون جبل تيبستي حيث سلسلة أكاكوس ما سيكون مصدر أساطير رواها إبراهيم الكوني في رواياته. جفت هاتيك الأنهار، التي سلطت الشمس عليها سياطها اثر غيرة اجتاحت الشمس، بعد أن فضلت الأرض القمر، القمر الذي يتغنج في سماء أوجلة رفقة نجوم خليعة تعرض مفاتنها كل ليلة علي السابلة.
حكيم الأوجلي والصغير أحمد المفتي، اصطادا الكثير من الحلازين والأسماك الحجرية من مجرى هاتيك الأنهار التي جفت مآقيها. هذه قوقعة بحرية قال أحمد، رد عليه حكيم أظن أنها نهرية. لو تقدما قليلا تاركين أوجلة شمالهم لدخلوا في الغابة المتحجرة عند سفح الهروج.
لكن عليكما الحذر ثمة واحة غير موجودة ستظهر لكما لا تظنان بوجودها، لقد حدث أن خرجت هذه الواحة المسكونة لمن ظن أنه فالح؛ سمع لغطا وهمهمات ولم ير أحدا، لم يكتشف اثر قدم في رملها حتى كلّ من الفحص. لكنها حديقة غناء بالنخل المثقل بالثمر مما ندر مثل الصعيدي والدقلة ، شرب من مائها العذب الغزير . عندئذ فطن لحيلة اقتطع الجريد من النخل وكل ما سار مسافة غرس جريدة ، ظن انه حدد الطريق إلي تلك الواحة غير الموجودة، نام قرير النفس، فاق الصبح محاطا بالجريد ما غرست يداه. هكذا تيقن أنها الواحة الممتنعة علي الجميع، إلا من تاه وضل الطريق فسماها : واح صبرو. التي قد تكون أوجلة غير المرئية؛ هاتيك تدل القوافل إلي أوجلة التي تهواها الجمال، وتهيم بها كل قوافل الصحارى الكبرى .


ينهض في وجهك عمار أوجلة، وعمارها كما محيطها نهود رمال ، هكذا مسجدها الكبير ينبثق كثيبا يجاور كثيب. في الداخل كما كهوف، مساربها تؤدي لبعضها وبابها ثقب كما ثقب مفتاح باب، في الداخل تُترع بالظلال والرطب من هواء ومما يثمر النخل، وكذا من جذوعه السقف والأبواب، في الخارج تندس عمارة أوجلة في حضن بعضها.
إنها مبان تدس السر وهي خبئاه، كما تندس أوجلة وتخبي مفاتنها عن كل شغوف؛ شغوف يبّست عفاريت وجنون العجاج ريقه، فذابت في ريقه ثمرة أوجلة الصبية التي تتخذ من الأحلام سريرا. تلكم أوجلة التي ذهبت ذات ليلة من ألف ليلة ولم تعد.
مرة فيما سلف من الزمان: قدماء ليبيا؛ عمَ العجاج مسكنهم. والعجاج يركب ريح الجنوب؛ القبلي، وهي مهاري جامحة ما مرت بزرع أو ضرع إلا جف من هول مرآها. يقول هيرودوت: قبائل تدججت بالسلاح والغضب . صرَ الليبيون علي محاربة القبلي ؛ اليوم ليس لريح الجنوب عاصم من حرب شعواء، لم تكللْ تلكم الحرب بالنصر، لكن كان علي جباه الرجال الذين ذهبوا في حربهم حتى الفناء ، كان علي جباههم إكليل غار أو كما يقول هيرودوت. لكنه لم يذكر أن المحاربين كانوا قد تمترسوا ولبسوا دروع أوجلية.
فيما بعد حير سواح الصحراء الليبية متحف الصخور أو المساخيط ؛ كتاب مخطوط كتبه فرنسي مجهول الهوية، ويحمل تاريخ سنة 1685م ، وظل مخطوطا في المكتبة الوطنية الفرنسية ذكر: .. بعد مسير متواصل لأيام ثمانية، الحملة وصلت؛ رأت المدينة المتحجرة، حيث مسخت جميع المخلوقات إلي حجر. في منطقة أوجلة هذه تصاب برشح الدهشة؛ أغرب الأشياء وأعجبها مطمورة هنا؛ أجساد بشر ، أجساد حيوانات، أجساد شجر ، مسخت حجارة و لا تزال تحتفظ بروح طبيعتها بهيئاتها وألوانها.
لم تكتفي فرنسا بشهادة شاهد من أهلها؛ ففي يناير من سنة 1707م كتب شارل لامار القنصل الفرنسي إلي وزيره حول هذه المدينة الحجرية: ... حملني علي اتخاذ قرار بإيفاد نائب القنصل، الذي عينته لمدينة درنة مصحوبا برسالة من البك، إلي شيخ أوجلة التي تبعد ثلاثة أيام من درنة، ليرى ما إذا كان في إمكانه العثور علي جسد بشري متحجر، فذاك شيء سيكون جديرا باهتمامات جلالة الملك. كل الذين بلغوها أكدوا لي مشاهداتهم لعدد من الأجسام البشرية في أوضاع مختلفة، وكذلك قطعان الكباش برعاتها وكأنها حية، والرمال ، السافي، تكشفها وتغطيها بحسب الرياح.
هذا ما جاء في كتاب: واحات الجنوب البرقي بين الأسطورة والتاريخ، للمؤرخ الليبي محمد مصطفي بازامه، الذي نقل ما ذكر أولئك وحسبه ذلك جهد.
أما سواح الصحراء الليبية من الليبيين ذاتهم، فقد شغفوا بالصحراء بعد اكتشافهم الحديث لها، لقد رأوها للمرة الأولي في أفلام وكتب وقوافل من سواح الغرب. وهذا كان حالي وحال الكاتبين الليبيين محمد المفتي وعطية الأوجلي من ترافقوا في رحلتنا إلي أوجلة هذه.


استرع نظري غابة من نخيل حديدي، عند المغرب تشع مصابيحها الكهربائية بألوان صاخبة، ظننتها أوجلة الممتنعة، فعلمونني أنها أوجلة حقول البترول أو ما دست هذه الجزيرة في جوفها من كنوز ، تذكرت أن التأريخ القريب سجل أن محمد الساقزلي الوالي التركي لطرابلس غزا الواحة في القرن الثامن عشر وسلبها كنزها؛ ما أكثر من حمل أربعين جملا من الذهب. وأوجلة من تُسلب ذهبها الأسود، ليس لها طريق من قطران غير طريق قديم أكله السافي وفعل البشر. في عيد الكسوف، الذي يحدث في القرن مرة، غنمت بصيانة من دكانة العطار.
تجاهل أوجلة كي تغنم، فما يأتي من جنوب ويفرح قلب، كذا نصيحة الناصح.فما في الجبة غير القطران وحتى هذا زيت يضيء مصباح الآخرين كما النخلة العوجاء. الظلمة مسبار الطريق؛ الخيط الأسود موغل في عتمة التراب، ما من شيء غير اللاشيء، كل ما يبدو العدم، الفراغ المضيء حيث كبد السماء ، حيث كسف الله الشمس وحجر السمك، حيث أوجلة.

ـــــــــــــــــــــ
a_ elfaitouri@yahoo.com
بنغازي :‏17‏/05‏/2006
تصوير : أحمد الفيتوري